انقطاع الكهرباء، لطفا بالاستهلاك


في الفترة الأخيرة، أصبح انقطاع الكهرباء في السعودية من العناوين المعتادة على مواقع الأخبار. وفي تصريح لشركة الكهرباء بررت هذه الانقطاعات المتكررة بارتفاع الطلب على الطاقة الكهربائية في الفترة الأخيرة. البعض يرى أن هذا التبرير غير مقبول. من جهة هو بالفعل تبرير غير مقبول لأن الكل يرى أن المملكة لديها القدرات المالية والبشرية على توفير الكهرباء بشكل مستمر. ومن جهة أخرى يكفي قراءة بعض الإحصائيات للتعرف على التغيرات التي مرت بها المملكة. فبحسب الأرقام الرسمية ارتفع عدد سكان المملكة عام 2010 بنسبة 150 بالمائة مقارنة بعام 1980. ومن المتوقع أن يصل عدد سكان المملكة إلى 34 مليون نسمة بحلول عام 2030 أي بارتفاع نسبته 350 بالمائة مقارنة بعام 1980. تعد نسبة ارتفاع عدد السكان من النسب العالية عالميا. وهذا يمثل تحد كبير بذاته لتوفير بنية أساسية للطاقة الكهربائية بشكل مستدام.
تحديث شبكة الكهرباء وتوسيعها من المشاريع التي تُبنى على المدى المتوسط والبعيد. لذا هناك احتمال كبير أن تتكرر مشاكل انقطاع الكهرباء في السنين المقبلة خاصة إذا وافقت المناسبات الدينية والوطنية فترات الصيف. لكن هذا لا يعني أن يبقى الحال كما هو عليه اليوم. هناك عدة حلول يمكن أن تخفف من أزمة الطاقة الكهربائية لكنها بحاجة لدعم سياسي لكي تكون فعالة.

ترشيد استهلاك الكهرباء
ليس هناك سر أن زيادة الطلب على الكهرباء هي نتيجة لزيادة عدد السكان لكن أيضا نتيجة لزيادة الاستهلاك الفردي للطاقة الكهربائية. الحلول المنطقية لارتفاع عدد السكان هو بناء محطات جديدة لانتاج الكهرباء، لكن هل يعني هذا أن كل مولود جديد يؤدي إلى رفع انتاجية المحطات الكهربائية؟ إن كان هذا هو منطق شركة الكهرباء فهي ستخسر حتما رهان توفير الكهرباء لكل فرد. لكنها قد تكسب الرهان حينما تتبنى خطط لتوعية المستهلك لتخفيض الأحمال الزائدة على محطات وشبكات الكهرباء.
التوعية لا تتم فقط من خلال نشرات وكتيبات توزع لكن بتنمية حس المسؤولية. من سبل تنمية هذا الحس “دغدغة” جيب المستهلك. مثلا بعض البلدان الأوروبية اعتمدت تخفيض ضرائبي لمن قلل من استهلاكه السنوي للكهرباء حسب نسب معينة. إذ أن من أهداف الاتحاد الأوروبي في مجال الطاقة أن تقلل دول الأعضاء استهلاكها للطاقة بنسبة 20 بالمائة مقارنة بالاستهلاك عام 1990 بحلول عام 2020.
في منطقة الوالونيا في بلجيكا، تم إنشاء مراكز لمساعدة الأسر في ترشيد الاستهلاك لكي لا يتجاوز استهلاك الأسرة المكونة من أربعة أشخاص 3500 كيلوواط ساعي لذلك فواتير الكهرباء لها أهمية كبيرة للأسرة وبعض الشركات ترفق جداول مقارنة لجميع فترات الاستهلاك  للطاقة الكهربائية.
ومن بين الوسائل التي استخدمت في بلجيكا لتقليل الاستهلاك الكهربائي، قيام الدولة بإعطاء علاوات لمن أراد تغيير أجهزته الكهربائية لشراء أجهزة أقل استهلاكا للكهرباء. وكان التركيز على الثلاجات والغسالات في البداية ثم تم التعميم على جميع الأجهزة الكهربائية. هناك أيضا علاوات لتغير أجهزة التدفئة، وغالبية نظم التدفئة تعتمد على الغاز وزيوت التدفئة المازوت.
وارى أن الخطوة الأولى لشركة الكهرباء هو القيام بمسح لكل مناطق المملكة لوضع خريطة للاستهلاك وبعدها يتم رصد ميزانية حسب مناطق الاستهلاك لتحديد معيار لذلك مثلا أن لا يتجاوز استهلاك المنزل الواحد المكون من 8 أشخاص 10 آلاف كيلوواط ساعي.

تشجيع السكان على استخدام اللوائح الشمسية
حاليا، غالبية السكان تستمد الكهرباء عن طريق الشبكات الكهربائية لكن هذه الشبكات أثبتت أنها غير قادرة على تحمل كل أعباء الاستهلاك الكهربائي. لذا من الضروري تشجيع السكان على تركيب اللوائح الشمسية في المنازل فهذه اللوائح توفر استقلالية للشخص في إنتاج طاقته من منزله وليس بحاجة  لشركة الكهرباء خلال النهار، طبعا إذا تم تركيب عدد كاف من اللوائح لتغطية استهلاك المنزل.
هنا لا بد أيضا من تنبي خطة لتشجيع الأشخاص لتركيب لوائحهم الشمسية. حينما يكون هناك طفرة في الميزانية، يمكن ان يستغل جزء من هذه الأموال لمساعدة الأفراد في هذا التوجه.

بناء منازل دون الحاجة لجهاز تكييف
يبقى جهاز التكييف من أكبر التحديات في السعودية بخصوص الاستهلاك الكهربائي فهو من أكثر الأجهزة استخداماً لارتفاع درجة الحرارة أثناء الصيف ويستهلك هذا الجهاز قدراً كبيراً من الطاقة الكهربائية.
في إحدى زياراتي الصيفية للرياض لأحد الأقارب، كان نظام تكييف المنزل معطل، لذلك فضل سكان المنزل البقاء في الحديقة بدلا من الجلوس في الداخل حتى في وقت الظهيرة إذ أن الحرارة في الخارج ألطف منها في الداخل. فالمنزل الاسمنتي المسلح من غير تكييف في الصيف يضاعف من الشعور بالحرارة. وهنا يجب مراجعة معايير بناء المباني والمنازل. داخل هذا النوع من البيوت، يتم استخدام جهاز التكييف بشكل كبير للتخلص من الشعور بالحرارة. ويمكن تبني مواد مناسبة للبئية الحارة لتقليل الاعتماد على التكييف.
في النهاية، إنتاج الكهرباء يعتمد على الوقود كالغاز والبترول ومن السذاجة الاعتقاد بأننا نستطيع زيادة توليد الكهرباء دون استنفاد مخزوننا من الوقود. لذلك من الأفضل وضع خطة للسنوات المقبلة لتقليل الاستهلاك الكهربائي حتى لو ارتفع عدد السكان. كل شيء ممكن بوجود الإرادة والتخطيط.
– علياء الهذلول
(الشرق السعودية 5 اغسطس 2012)

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*