آن الأوان لكبح «الإسراف» في الطاقة


حذر عدد من الاقتصاديين من تنامي الاستهلاك المحلي للبترول ومشتقاته، موضحين أن المملكة تسجل أعلى معدل زيادة على مستوى العالم، حيث يبلغ معدل نمو الاستهلاك المحلي سنويا 7 في المائة، باستهلاك ربع الإنتاج اليومي يبلغ نحو 2.7 مليون برميل يوميا، مما يجعلها تسجل أعلى ارتفاع مقارنة بالكتلة السكانية في المنطقة والأغراض التشغيلية لها. وشددوا في الوقت ذاته على ضرورة إنشاء هيئة مستقلة لترشيد الاستهلاك وفرض أنظمة وعقوبات للحد من الإسراف وإهدار الطاقة الدخل الرئيس للمملكة وحفاظا على نصيب الأجيال القادمة من البترول. وكان الدكتور محمد الجاسر وزير الاقتصاد والتخطيط ـــ محافظ مؤسسة النقد سابقا ـــ قد أكد الشهر الماضي أهمية الحد من الاستهلاك المحلي المرتفع من النفط والغاز بوصفه يعد من التحديات التي يجب معالجتها، حيث تشير الأرقام إلى زيادة متوسط الاستهلاك المحلي منهما بنسبة 7.3 في المائة سنويا خلال الأعوام الخمسة الماضية، وهي نسبة مرتفعة بكل المقاييس ولا تتناسب مع معدل النمو في عدد السكان وفي الناتج المحلي الإجمالي.
وحذر من أن ”زيادة الاستهلاك المحلي من النفط، إضافة إلى كونه استنزافًا للموارد التي أفاء الله بها علينا، فإنه يحد من الكميات المتاحة للتصدير مستقبلاً، لذلك يتطلب الأمر بحث أسباب الزيادة في الاستهلاك المحلي من النفط والغاز والعمل على ترشيد استهلاكهما”. (”الاقتصادية” 13/12/2011) وأكد لـ ”الاقتصادية الدكتور سامي النويصر المدير التنفيذي لشركة السامي القابضة، أن حجم الاستهلاك المحلي أعلى معدل استهلاك في العالم مقارنة بعدد السكان والأغراض التشغيلية التي يعمل بها. وقال إن ارتفاع الاستهلاك المحلي ”مخيف ويضر بشكل مباشر” باقتصاد المملكة، مؤكدا أن المملكة ستلتمس الفرق والتناقص الكبير خلال الأعوام القليلة المقبلة بداية من 2015، معتبرا أن معدل نمو الاستهلاك المحلي مرتفع جدا وكبير مقارنة بحجم الكتلة السكانية في المملكة، و”هو مؤشر مخيف يؤثر في مستقبل البترول في المملكة”. وأكد أن اقتصاد المملكة اقتصاد بترولي يعتمد اعتمادا كبيرا على البترول الذي يسيطر على 90 في المائة من إيرادات المملكة، فمهما بلغت كمية الإنتاج تعد غير مجدية إذا قوبلت بارتفاع في الاستهلاك خاصة أن الاستهلاك يتضاعف كل عشر سنوات”.
وأوضح النويصر أن ارتفاع الاستهلاك المحلي له انعكاسات سلبية على المستوى العالمي والمحلي على حد سواء، حيث سيخلق خللا بالعرض والطلب العالمي، إذ إن دور المملكة رئيس في خلق التوازن العالمي للبترول، مما سيؤثر بشكل كبير في الأسواق العالمية والمحلية بشكل خاص، خاصة أن المملكة وقعت على اتفاقيات عالمية، مثل اتفاقية منظمة التجارة العالمية عام 1991 التي تفرض الحد من استهلاك الموارد الطبيعية، إضافة إلى دخولها ضمن دول العشرين التي تمسكت بعديد من البنود الواردة في هذا الشأن. وأفاد بأن المملكة تأخذ الصدارة العالمية في الإنتاج والتصدير البترولي، وتعد محورا أساسيا في الاتزان الاقتصادي البترولي للطاقة في العالم، وأن مثل هذا الارتفاع في الاستهلاك المحلي سيؤثر في مركزها الاقتصادي العالمي على الأرجح سيجعلها ليست بمنأى عن الأزمات الاقتصادية، كما أن استمرار الوتيرة الاستهلاكية للطاقة سيعمل على تعطيل المخزون، ومن ثم لن يستطيع تأدية الهدف الذي تسعى إليه حكومة خادم الحرمين الشريفين، مما سيعكر مسيرة النمو الاقتصادي للمملكة، إضافة إلى ارتفاع معدلات التلوث البيئي بشكل كبير ومتسارع وتأثيرها الصحي والبيئي. وحول الآلية التي تعمل على الحد من معدلات الاستهلاك أضاف ”ترشيد استهلاك البترول من أكبر التحديات التي ستواجهه المملكة خلال الفترة القادمة، فهو مادة خام قابلة للنفوذ تستلزم ترشيد استهلاكها”. ولفت إلى أن ارتفاع حجم الاستهلاك من المصدر الرئيس للدخل مؤشر خطير يضر بالاقتصاد بشكل عام، مشددا على ضرورة العمل على الحد من معدلات الاستهلاك العام والخاص والفردي عبر إيجاد هيئة عليا لترشيد الإنفاق والاستهلاك وترشيد الإنفاق البترولي والهدر الاقتصادي بعمل دراسات وبحوث مع الوزارات المعنية وزارة البترول والمعادن والوزارة المالية ووزارة الكهرباء، وبحث مكامن الإهدار والخلل ومعالجتها واستخدام أفضل المنتجات الاستهلاكية التي تعمل على توفير الطاقة وترشيد الاستهلاك من الإنتاج إلى الاستهلاك، والتعاون مع الوزارات الأخرى التي تعنى بهذا الأمر. وأشار إلى عدم وجود سياسة معتمدة للحد من الاستهلاك المحلي ورفع ثقافة الاستهلاك والترشيد، لافتا إلى ضرورة معالجة الإهدار الاستهلاكي بتدخل حكومي، وبفرض نظام يحمي الموارد الطبيعية، فالبترول لهذه الأجيال والأجيال القادمة أيضا. وحول رفع تسعيرة الاستهلاك قال ”غير وارد رفع التسعيرة على المواطنين؛ لأن الدولة تهتم برفاهية المواطن وتذليل مصاعب الحياة، مستدركا بالقول ”لكن لا بد من رفع وعي المستهلك بداية بالقطاعات العامة والخاصة للحد من الاستهلاك المفرط”. وأضاف ”هناك إهدار كبير خاصة بالكهرباء، فهناك استخدام مبالغ فيه للإضاءة في عديد من المناطق والميادين، إضافة إلى استخدام البترول الخام الثقيل في المواسم الصيفية بالمهرجانات والاحتفالات، وإضاءة المباني المعروضة للبيع على مدار الساعة، وتستمر عادة إلى شهور إلى أن يتم البيع، إضافة إلى استمرار المراكز التجارية إلى ساعات متأخرة من الليل مما يضاعف حجم الاستهلاك الكهربائي خاصة بالصيف، إضافة إلى استرداد منتجات تعمل على استهلاك أكبر قدر من الطاقة واستخدامها بشكل مفرط في الوقت الذي لا بد فيه من منع استيراد منتجات ترفع مع حجم الاستهلاك، وتفعيل وتحفيز استخدام المنتجات الترشيدية، إضافة إلى تفعيل البنايات صديقة البيئة التي توفر استهلاك حجم كبير من الكهرباء. من جهته، أكد الدكتور علي التواتي أستاذ الاقتصاد في جامعة الملك عبد العزيز، أن هناك حجم نمو كبير للاستهلاك المحلي ومتزايد نظرا لارتفاع معدل النمو السكاني في المملكة، إضافة إلى توسيع الدائرة الصناعية البتروكميائية في المملكة التي تشهد قفزة صناعية كبيرة، تجعل المملكة تتصدر المراتب الأولى في الإنتاج العالمي، ونظرا لارتفاع الاستهلاك عمدت شركة أرامكو السعودية إلى رفع الطاقة الإنتاجية للبترول عبر عقد اتفاقيات شراكات استراتيجية مع شركات عالمية مثل توتال الفرنسية وسينوبك الصينية وشركات يابانية أخرى لزيادة الطاقة الإنتاجية للمنتجات النفطية لاستيعاب الطلب المحلي والعالمي. وأكد التواتي ضرورة ترشيد وتوجيه الاستهلاك المحلي لكل ما يكون له مردود فعلي للمملكة خاصة الصناعات. وقال: إن زيادة الاستهلاك المحلي للصناعات أمر غير مزعج إذا وجه إلى الإنتاج الصناعي الذي يعد أفضل من تصدير البترول كمواد خام دون الاستفادة الفعلية”، موضحا أن توجيه البترول للاستخدام في الصناعات المحلية عامل مهم في رفع موارد دخل المملكة بموارد تعزز وترفع من قيمتها الاقتصادية في العالم. وحث أستاذ الاقتصاد في جامعة الملك عبد العزيز على فرض حلول للحد من تنامي الاستهلاك والإهدار المحلي للبترول خاصة في الحياة اليومية، التي تتصدرها وسائل المواصلات، حيث تمثل أكبر حجم استهلاك يومي في المملكة فتأخذ نصيب الأسد من الاستهلاك المحلي للبترول، مبينا ضرورة ضخ وسائل تحد من حجم الاستهلاك المتزايد لوسائل المواصلات، على سبيل المثال تفعيل النقل البحري بين المدن الساحلية للتخفيف من حركة الشاحنات والسيارات الكبيرة، إضافة إلى تزويد المدن الرئيسة في المملكة بشبكات نقل عام مثل المترو، وتنويع مصادر الطاقة الشمسية، إضافة إلى رفع وعي المواطنين عبر حملات ودورات ترشيدية وإلزام استخدام المنتجات الترشيدية التي تخفض إلى حد كبير من حجم الاستهلاك، جميعها عوامل تحد من تنامي الاستهلاك المحلي، كما ستسهم بشكل كبير في الحد من التلوث البيئي وتقليل كلفة بعض المشاريع الكبيرة مثل الأنفاق والكباري.
(الاقتصادية 21 يناير 2012)

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*