الإدمان على النفط يشوّه الاقتصاد

محمد الصباح
في مقال لوزير الخارجية السابق الشيخ الدكتور محمد الصباح، نُشر في نشرة دينار عام 1987، والتي كان يصدرها البنك التجاري الكويتي، تناول الوزير الاختلالات الهيكلية في الاقتصادات النفطية. وما أشبه اليوم بالأمس. والدكتور محمد الصباح تخرج في جامعة كليرمونت في الولايات المتحدة الأميركية، ثم حصل على درجتي الماجستير والدكتوراه من جامعة هارفرد. وكان يعمل – عندما كتب المقال – بسلك التدريس في جامعة الكويت، وباحثا في معهد الكويت للأبحاث العلمية.
ويحمل المقال عنوان «اقتصادات الدول المصدرة للنفط: دورس في التكيّف الهيكلي»، جاء فيه: تتمتع بعض الدول الأعضاء في منظمة الاقطار المصدرة للنفط (أوبك) بأعلى دخل للفرد في العالم، إلا أنها تشارك مع بقية الدول النامية بعديد من مظاهر التخلف الاقتصادي. وهذا يشمل عدم المرونة في الهيكل الاقتصادي لهذه الدول، اضافة الى سوق عمالة غير متكامل ومستوى منخفض في الإنتاجية، عدا أنها اقتصادات تعتمد كلية على انتاج وتصدير سلعة واحدة. كما تعاني هذه الدول من ثنائية في هيكل الاقتصاد الداخلي، حيث يمثل القطاع النفطي قطاعا متطورا معزولا ولكن تربطه روابط ضعيفة مع القطاعات الاقتصادية الاخرى من ناحية التشابكات الأمامية والخلفية. إضافة الى ذلك، فإن القطاع النفطي يمثل نسبة متدنية الأهمية من حيث توفير فرص العمل، نظرا لطبيعة الإنتاج في هذا القطاع الذي يعتمد بدرجة كبيرة تكنولوجياً على التكثيف الرأسمالي.

مرحلة الفائض المالي
الصدمات النفطية 1979/1973
يعتبر القطاع النفطي بالنسبة لدول الأوبك المصدر الرئيسي للعملات الاجنبية، وكذلك لايرادات الدولة، فمثلا، بلغت قيمة صادرات النفط الخام في عام 1968 ما يمثل نسبة %60 تقريبا من اجمالي قيمة صادرات دول الأوبك، بينما ارتفعت هذه النسبة بعد الصدمتين النفطيتين الأولى والثانية (1973 – 1979) إلى %94.2 من اجمالي قيمة صادرات هذه الدول حيث قدر دخل دول الأوبك من النفط ما يزيد عن 250 مليار دولار اميركي في عام 1980.
وفي نهاية السبعينات اخذت كثير من الدول المصدرة للنفط تتبنى وجهة النظر القائلة، بأن الثروة النفطية تمثل «البلسم السحري» ذو المقدرة على التغلب على العقبات التي تعترض طريق التنمية وتقف امام تحقيق الطموحات الوطنية، وبدأت هذه الدول تتعاطى العقاقير النفطية بجرعات كبيرة غير عابثة بخطر الأدمان عليها. واعتقدت ان عصر نهضتها الذهبي قد حان، وأن الفرصة التاريخية فقد اتيحت لها من أجل تحقيق تغييرات جذرية مما سيضعها في مصاف الدول الصناعية.

واخذ الانفاق الحكومي في هذه الدول يتصاعد بمعدلات عالية، وللمرة الأولى منذ أكثر من عشرين عاما، استطاع الاقتصاد المكسيكي ان يحقق معدل نمو في الاقتصاد الوطني يساوي %8 خلال الفترة 1978 – 1981، مقارنة مع معدل نمو للاقتصاد بلغ %3.2 للفترة 1975 – 1978. كما حقق الاقتصاد النيجيري والاندونيسي زيادة لم يسبق لها مثيل في معدلي نمو الانفاق الاستثماري والاستهلاكي مباشرة بعد الصدمة النفطية الأولى لسنة 1973.
وكذلك في الكويت ارتفع الانفاق الحكومي بسرعة، حيث زاد ما يخص الفرد من الانفاق الحكومي من 406د.ك في السنة المالية 1970/1969 الى حوالي 1800د.ك في السنة المالية 1979 – 1980. ولقد واكب هذه الزيادة في الانفاق الحكومي تصاعد متوسط الاجور في القطاع العام بنسبة تزيد عن %80 خلال الفترة 1972 – 1978.
وتعتبر حالة المملكة العربية السعودية، وهي اكبر دولة مصدرة للنفط، مثلا واضحا لاثر الزيادة في الايرادات النفطية، ففي بداية الستينات بدأ الاقتصاد ببنية اقتصادية ضعيفة جدا، وميزانية محدودة لدرجة كبيرة، لكن النمو السريع في الايرادات النفطية اتاح المجال امام الحكومة السعودية لتحقيق انجازات كانت تعتبر في السابق مستحيلة المنال، فعلى سبيل المثال، تضاعف عدد المدارس في جميع المراحل التعليمية بنسبة %150 خلال الفترة الوجيزة بين عامي 1972 و1980، بينما زاد عدد الطلاب الملتحقين بالجامعات خمسة اضعاف وذلك من 9500 طالب في عام 1972 الى 48.000 عام 1980، ولعل من ابرز التطورات التي شهدتها المملكة في تلك الفترة هي نجاح الحكومة السعودية في تحويل جزء من الاراضي الجرداء في صحراء نجد الى قطاع زراعي رئيسي منتج، وبفضل الدعم الحكومي السخي تمكن القطاع الزراعي السعودي – رغم كل العقبات – من تحقيق الاكتفاء الذاتي من انتاج القمح في عام 1984 اذ بلغ اجمالي انتاج القمح مليونا ونصف المليون طن بالمقارنة مع 3000 طن في عام 1977.
على ان اثار الصدمة النفطية الأولى لم تقتصر على احداث تغييرات هيكلية في اقتصادات الدول المصدرة للنفط بل كانت لها آثارها على النسيج الاجتماعي والسياسي لمعظمها.
وعلى الرغم من صغر حجم دولة الكويت لكنها استطاعت بفضل ايراداتها النفطية ان تتبوأ مركزا مرموقا على الصعيدين العربي والدولي وان تحقق العديد من أهدافها الوطنية، وقد بلغت قيمة المساعدات المالية التي قدمتها الكويت للدول الشقيقة والصديقة خلال السبعينات حوالي 1200 مليون د.ك أي ما نسبته %4 من الناتج المحلي علما بأن مساعدات الدول الصناعية الى الدول النامية لم تتجاوز %0.003، من مجموع ناتجها المحلي الاجمالي، بالاضافة الى ذلك نجد ان الايرادات النفطية كانت عاملا حاسما في تركيز السلطة بيد الحكومة الفدرالية في نيجيريا مما اتاح لها مجال السيطرة على الاوضاع الاقتصادية والسياسية في البلاد وعلى كبح جماح النزعات الانفصالية في بعض اقاليمها، وفي الدول العربية المصدرة للنفط، كان للايرادات النفطية اكبر الاثر في احداث تغييرات نوعية في القيم الاجتماعية وفي أسلوب المعيشة فيها، ومن خلال زيادة الانفاق الحكومي على مشاريع البنية الاساسية والاسكان والتعليم والمرافق الصحية وما شابه ذلك، اصبحت فرص العمل في المناطق المدنية اكثر ربحا للعمال مما ادى الى تغييرات كبيرة في التركيبة السكانية لهذه المجتمعات. وباستثناء الجزائر والعراق والسعودية نجد ان عدد السكان الوافدين في الدول العربية الصغيرة المصدرة للنفط قد فاق عدد السكان الاصليين، حيث انخفضت نسبة السكان الاصليين مقارنة بمجموع السكان الى %20 في الامارات العربية المتحدة والى %52 في ليبيا، اما في الكويت فقد انخفضت نسبة السكان الكويتيين الى اجمالي عدد السكان من %50 في عام 1961 الى %47 في عام 1970 والى %42 في عام 1980.
كما احدثت الزيادة السريعة في الايرادات النفطية تحولاً كبيراً في نمط وأسلوب توزيع الدخل في معظم الدول المصدرة للنفط، ولما كان من الصعب توثيق العلاقة بين ايرادات النفط ونمط توزيع الدخل لعدم توافر البيانات الموثقة، إلا انه يمكننا استشفاف طبيعة هذه العلاقة بالنظر الى دولتين نفطيتين هما نيجيريا والاكوادور، فبالنسبة للدولة الأولى، ارتفع دخل العاملين في المدن نسبة الى دخل العاملين في الريف من ضعفين ونصف في عام 1974 الى حوالي ثلاثة أضعاف خلال ثلاث سنوات، كما ان متوسط الأجور في المناطق المدنية في الاكوادور زاد بمعدل سنوي بلغت نسبته %3.6 خلال الفترة 1970 ــــ 1977، بينما انخفض متوسط الأجور في مناطقها الريفية بمعدل %2.2 سنويا خلال الفترة نفسها.
ونظرا لان استغلال النفط يعمل على تقلص هيكل البعد الزمني للثروة النفطية، فقد ادخلت دولة الكويت تغييرا كبيرا ومهما في نمط توزيع الثروة ليس فقط بين فئات الجيل الحالي، بل أيضاً بين الأجيال القادمة من خلال قانون ينص على تخصيص نسبة %10 من اجمالي الدخل النفطي السنوي لمصلحة الاجيال القادمة.
وربما يطرح السؤال: إذا كان للعوائد النفطية هذه الآثار الايجابية على الرخاء والنمو الاقتصادي لبلد ما.. اذن لماذا نطلق عليها تعبيرات مثل الصدمة النفطية؟ الاجابة باختصار هي: ان هذه ليست نهاية القصة، فعلى الرغم من الفوائد الكثيرة التي حققتها الايرادات النفطية خلال السبعينات الا ان الصدمة النفطية المعاكسة التي بدأت عام 1983، عندما تهاوت اسعار النفط ومستويات الانتاج، كشفت العيوب الهيكلية الخطيرة ومدى هشاشة وضعف اقتصادات الدول المصدرة للنفط امام التقلبات الاقتصادية، وكما تمثل امراض القلب عند الانسان مرض العصر فان المرض الذي تعاني منه الدول المصدرة للنفط في الوقت الحاضر يؤدي الى تصلب الشرايين الاقتصادية لهذه الدول مما يصعب معه تأقلم اقتصادات الدول النفطية مع الاوضاع الاقتصادية المستجدة، على أي حال، فقد ظهرت أعراض هذا المرض بوضوح في أواخر السبعينات عندما ادت الصدمة النفطية الأولى الى حدوث تغيير هيكلي في الأولويات الاستهلاكية في معظم الدول المصدرة للنفط، وقد تم التعبير بصراحة عن المخاطر السياسية والاجتماعية للمجتمع المادي والاستهلاكي في حديث لوزير الصناعة السعودي عام 1978 قال فيه: «ان الثروة الكبيرة تجلب معها الرغبة في حياة المتعة والترف، ونحن الآن نشهد ظهور مجتمع استهلاكي لا حدود لاحتياجاته المادية واننا دائما في حاجة للقيود الروحية التي تصبح ضرورة ملحة في حالة النمو السريع المطرد عندما يصبح الفرد مأخوذا بالمغريات المادية للحضارة الحديثة، وبالعرض النقدي المتوافر امامه وبفرص الكسب التي في متناوله سواء كانت قانونية أم غير قانونية، يجب علينا ان نقاوم كل هذه المغريات ونعارضها ونعود الى نقاء عقيدتنا والالتزام بمبادئ ديننا الحنيف».
ويميل عدد كبير من المراقبين السياسيين والأكاديميين الاقتصاديين الى الاعتقاد بأن المشكلات الاساسية التي تعاني منها الدول المصدرة للنفط ذات ماهية تتعلق بتوزيع الثروة النفطية: من ينبغي ان يتحمل التكاليف والمكاسب الناجمة عن الانفاق الحكومي؟ كيف يتم توزيع هذه التكاليف والمكاسب بين القطاعات والطبقات الاجتماعية؟ هل نسبة نضوب المخزون النفطي القابل للنفاذ هي النسبة المثلى بما معناه هل تأخذ بعين الاعتبار مصلحة الاجيال القادمة؟ وللتأكد على ذلك، يمكن القول ان مشكلات الدول النامية المصدرة للنفط هي في الواقع النتيجة الحتمية للثراء المفاجئ الذي تحقق في ظل ظروف اقتصادية مختلفة، فقد منح النفط الدولة، بالاضافة الى الفوائد المالية التي يجلبها ايضاً، فرصة فريدة من نوعها للاستفادة من الوقت وبناء تطورها وازدهارها على مراحل يتم خلالها تنفيذ مشاريع استثمارية بترتيب زمني سليم، ولكن ظروف التخلف التي ازدهرت خلالها الايرادات النفطية قد تضافرت على ايجاد ضغوط اجتماعية وسياسية ادت الى الاستهلاك السريع وترجيح كفة المصالح الآنية على كفة التخطيط بعيد المدى.
وقد اثبتت الدراسات التي تمت أخيراً ان المشكلات التي تواجهها الدول المصدرة للنفط ليست محصورة في الواقع على اعادة توزيع الثروة، ولكنها ايضاً مشكلات تتعلق بالتغييرات الهيكلية بعيدة المدى.
وعلى الرغم من مرور عقد كامل من برامج الاستثمارات المحلية النشطة في معظم الدول المصدرة للنفط، فاننا نجد ان معدل النمو في هذه البلدان كان مخيبا للآمال، فمتوسط معدل النمو الاقتصادي في البلدان النامية المستوردة للنفط خلال الفترة 1973 ــــ 1982 كان أعلى من متوسط معدل النمو الاقتصادي في الدول المصدرة للنفط خلال الفترة نفسها، فقد زاد الأول بمعدل سنوي بلغ في المتوسط %4.37 بينما زاد الثاني بمعدل سنوي اقل بلغ في المتوسط %3.43 خلال الفترة 1973 ــــ 1982.
ومع ان الدول المصدرة للنفط تعتبر دولا غير متجانسة الى درجة كبيرة من حيث مستوى التصنيع ودرجة اللاتكافؤ في توزيع الدخل والخلفية التاريخية والسياسية الا انها تشترك في كونها عرضة للتغييرات الهيكلية بعيدة المدى التي تتجه لغير مصلحة القطاعات الانتاجية غير النفطية، فمثلا خلال فترة السبعينات، كان ميزان مدفوعات هولندا في وضع جيد مع ان صادراتها من سلع وخدمات أصبحت غير تنافسية، فالتوسع في صادرات الغاز ادى الى ارتفاع سعر صرف العملة الهولندية (الجيلدر) مما رفع من سعر صادرات السلع الأخرى، وزيادة في تكلفة العمالة ادت الى انخفاض في هامش الربح في القطاع الصناعي ادت الى اختناق في الاستثمار، وبعد عدة سنوات عانت بريطانيا من المشكلة نفسها عندما أخذت صادراتها تزداد بقوة.
وقد نشأ عن التجربة التي مر بها الاقتصاد الهولندي، جدل حاد ولاذع احياناً حول احتمالات اصابة الدول الرئيسة المصدرة للنفط بالمرض الهولندي، واتجه التركيز على الخيارات المتاحة امام صانعي السياسة العامة للدولة من اجل تفادي أو على الاقل التقليل من حدة الآثار السلبية المترتبة على الازدهار النفطي، وعلى كل فان الظاهرة التي تعرف «بالمرض الهولندي» يجب ألا تعزى الى الازدهار النفطي بحد ذاته، ولكن الى طبيعة وهيكل هذه الثروة الجديدة، فالنفط يعتبر سلعة قابلة للتبادل في السوق العالمي مقابل سلع أخرى، والرواج في القطاع النفطي ينتج عنه توسع غير متوازن في الطلب على السلع الاستهلاكية للمجتمع، وفي الحالات العادية ينشأ في هذا الوضع تأقلم هيكلي في الاقتصاد المحلي وذلك من اجل توفير العرض الملائم لهذه الزيادة في الطلب على السلع الاستهلاكية.
ولكن النمو الاقتصادي في الدول المصدرة للنفط في الفترة ما بين 1973 ــــ 1982 كان مصحوباً بتراجع كبير في انتاجية القطاعات الاقتصادية الأخرى وانحراف في الهيكل الاقتصادي، وذلك لمصلحة القطاعات ذات المردود العالي والسريع مثل المضاربة في اسواق العقار والأوراق المالية أو في قطاع الخدمات، كما واكب هذا النمو الاقتصادي غير المتوازن انحسار شديد في الصادرات التقليدية غير النفطية وفي الصناعات المنافسة للواردات، ولذلك اصبح النفط لا يمثل المصدر الرئيسي للايرادات الحكومية فحسب، بل والايرادات من العمالة الصعبة بشكل عام، وقد تفاوتت نسبة الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للعملة الأجنبية من بلد لآخر، فبلغت نسبة صادرات النفط الخام في الميزان التجاري الليبي %99.9، وفي السعودية %93.2 وفي الجزائر %86.5 وفي الكويت %75 وفي فنزويلا %60.8، كما انخفضت نسبة اسهام القطاع الصناعي غير النفطي في الناتج المحلي الاجمالي في جميع الدول المصدرة للنفط، صناعة كانت ام نامية، باستثناء نيجيريا واندونيسيا، حيث حافظ القطاع الصناعي على أهميته النسبية.
وقد ازدهرت في الوقت نفسه قطاعات الخدمات، فبلغت نسبة المضاربات العقارية في نيجيريا ذروتها، حيث ارتفع سعر المتر المربع في وسط العاصمة لاغوس بنسبة %400 خلال الفترة 1981/1978، بينما حقق سوق الأوراق المالية في المكسيك عائدا خياليا بلغت نسبته %130 في عام 1978. ولم تكن الأوضاع الاقتصادية في دول مجلس التعاون الخليجي مختلفة عما كانت عليه في الدول الأخرى، فكلنا يذكر الارتفاع الحاد في أسعار العقار في الكويت والسعودية والامارات العربية، حيث تراوحت نسبة ارتفاع أسعار القسائم التجارية في الكويت ما بين %200 الى %600 خلال الفترة 1982/1979.
هنا تكمن خطورة المرض الهولندي، إذ أن التدفق السريع في الايرادات النفطية بمستويات تفوق الطاقة الاستيعابية لهذه الدول يخلق ضغوطا تضخمية في اقتصاداتها القومية، وخاصة في قطاع الخدمات. وفي مثل هذه الظروف يتخذ توزيع الموارد الاقتصادية مسارا بعيدا عن الصناعات غير النفطية، والزراعية والقطاعات الأخرى، مما يقلل من مرونة الهيكل الاقتصادي المحلي، ويؤثر سلبا على مقدرته في التأقلم مع الأوضاع الاقتصادية المتغيرة.
وتبدو محاولات الدول النامية المصدرة للنفط الرامية الى تنويع مصادر دخلها الداخلية والخارجية غير مستمرة، كما أن خططها الصناعية ستكون في وضع حرج بغياب سياسات حكومية تصحيحية.

مرحلة العجز المالي
الصدمة النفطية المعاكسة 1983
ومما يزيد من مبررات التدخل الحكومي في هذه الدول بفعالية أكثر، عندما نأخذ بعين الاعتبار التقلبات وعدم الاستقرار في سوق النفط العالمية، فالفائض الحالي في العرض النفطي وتراجع الإيرادات النفطية قد كشفا عن العيوب الهيكلية الخطيرة ومدى انكشاف وتبعية الاقتصاد في الدول النامية المصدرة للنفط. ونورد أدناه بعض الأمثلة على آثار الصدمة النفطية المعاكسة والأزمات التي أوجدتها في بعض الدول المصدرة للنفط:
1 – على اثر المضاربات التي تمت على الاحتياطيات النقدية الدولية، فقد قامت السلطات النقدية في فنزويلا بإغلاق سوق العملات الأجنبية في أواخر فبراير 1983، وعند إعادة فتح السوق بعد أسبوع، انخفض سعر الصرف الحر للبوليفار (وحدة النقد في فنزويلا) للمرة الاولى منذ عشرين عاما بما يقارب %400 أمام الدولار الأميركي في أقل من ثلاثة شهور.
2 – أما بالنسبة لنيجيريا الدولة الافريقية الأكثر سكانا، فإن انخفاض ايرادات النفط جعل اقتصادها اقرب ما يكون إلى الافلاس. وأصبحت المصانع تعمل بربع طاقتها التشغيلية لعجزها عن استيراد المواد الخام، وقد وجدت الحكومة النيجيرية نفسها مضطرة في عام 1983 الى إبعاد الآلاف من العمال الأجانب، واتخذت برنامجا للتقشف، مما أدى إلى اضطرابات عديدة في المجتمع وإلى انقلاب عسكري في ديسمبر 1983.
3 – وحسب التقديرات الصادرة عن بنك التسويات الدولي ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، فإن إجمالي حجم الديون المتراكمة على الدول الست الاولى الأكثر مديونية عام 1983 بلغ 210.9 مليارات دولارأميركي من أصل ديون إجمالية بقيمة 296 مليار دولار. ومن بين هذه الدول الست الرئيسية المثقلة بالديون هناك ثلاث دول مصدرة للنفط، حيث تحتل المكسيك المركز الثاني بمديونية تقدر بــ 67.4 مليار دولار، بينما تأتي فنزويلا في المركز الرابع بمديونيتها البالغة 23.7 مليار دولار، ثم نيجيريا في المركز السادس بمديونية تقدر بـ 12.3 مليار دولار.

مرحلة التكييف
دول مجلس التعاون الخليجي
لم يكن الوضع احسن حالا في دول مجلس التعاون الخليجي، فقد أدت التوقعات المتفائلة بشأن الايرادات النفطية المستقبلية، الى وضع خطط تنموية ذات طموحات كبيرة وانفاقات حكومية عالية، وكان الهدف بالنسبة للمملكة العربية السعودية مثلا، انفاق 250 مليار دولار بين عامي 1980 – 1985 غير ان الصدمة النفطية المعاكسة والتي ادت الى انخفاض حاد في اسعار النفط ومن ثم في الايرادات النفطية جعلت هذه الدول تعيد النظر في خططها التنموية بشكل أكثر واقعية.
وشهدت اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي تحولا جذريا في موازين مدفوعاتها في فائق اجمالي بلغ 21 مليار دولار في عام 1982 الى عجز قدر بأكثر من 4.6 مليارات دولار في عام 1983، واثار هذا التحول الملموس في موازين مدفوعات دول المنطقة، الشك في قدرة هذه الدول، على المحافظة على احتياطياتها من العملات الاجنبية، مما ادى بطبيعة الحال الى تبنيها لسياسات تقشفية وتقليص انفاقها الحكومي بشقيه الجاري والتنموي. وبذلك تراجع معدل الانفاق الحكومي في دول مجلس التعاون بأكثر من %31 خلال عامين فقط، وذلك من 97 مليار دولار في السنة المالية 1983 – 1984 الى 66.6 مليار دولار في السنة المالية 1985 – 1986. وبما ان الانفاق الحكومي هو المحرك الرئيسي للنشاطات الاقتصادية والتجارية في هذه الدول فقد أدى هذا الانخفاض الحاد الى حدوث تغييرات هيكلية في اقتصادات دول مجلس التعاون، وبدأ الانفاق الخاص في دول المنطقة بالتراجع، وانحسرت فرص الاستثمار المحلي بشكل واضح، مما ادى الى دخول اقتصادات المنطقة في مرحلة ركود اقتصادي.
كان لحالة الركود الاقتصادي هذه انعكاسات واضحة على الطلب الكلي للسلع والخدمات، لدول مجلس التعاون. فانخفض الناتج المحلي الاجمالي غير النفطي من 97.6 مليار دولار في عام 1983 الى 85.9 مليار دولار في عام 1985 اي بنسبة انخفاض سنوية تزيد على %6 بينما انخفض الناتج المحلي الاجمالي النفطي بأكثر من %16 سنويا. وكنتيجة لذلك، ارتفع اسهام القطاع غير النفطي في الناتج المحلي الاجمالي من %34 في عام 1981 الى %58 في عام 1985.
اما الجانب الآخر لعملية التكيف في دول مجلس التعاون الخليجي في ظل الركود الاقتصادي فقد تمثل في الانخفاض الملحوظ في تكاليف الانتاج، حيث شهدت دول المنطقة انخفاضا حادا في اسعار العقارات، واختفت هوامش الربح المرتفعة التي ميزت السبعينات. كما ان التباطؤ في النمو الاقتصادي أدى الى الاستغناء عن جزء كبير من العمالة الوافدة وايجاد نوع من فائض العرض في سوق العمل الخليجي مما عرض المستوى العام للأجور لضغوط شديدة أدت الى تراجعه.
وهذا التراجع الكبير في تكاليف الانتاج هو في الواقع مؤشر اساسي لعملية التكييف التي تشهدها دول المنطقة في الوقت الحاضر، ولذلك تراجعت تكاليف المعيشة في جميع دول مجلس التعاون حيث بلغ معدل الزيادة في الاسعار الاستهلاكية في عام 1985 في كل من الكويت وقطر %1.5 و%1.1 على التوالي، بينما انخفضت هذه الأسعار في المملكة العربية السعودية والبحرين بنسبة %3.3 و%2.5 على التوالي.

الاختلالات الاقتصادية
1- سوق عمالة غير متكامل
2- مستوى منخفض في الإنتاجية
3- إنتاج وتصدير سلعة واحدة

خلاصة
من المتوقع ان تستمر دول مجلس التعاون في تكييف اقتصاداتها مع انخفاض عوائد النفط والتباطؤ بمعدلات النمو الاقتصادي خلال السنوات القليلة القادمة، ويعتمد مدى نجاح عملية التكييف هذه ليس على مقدرة هذه الدول لاجراء التعديلات الهيكلية اللازمة لاقتصاداتها فقط، ولكن على مدى استقرار سوق النفط العالمية وكذلك الاوضاع السياسية في المنطقة.
وتدل المؤشرات المتوافرة على ان دول مجلس التعاون تبذل جهودا جادة لمواجهة هذه التحديات ولاتخاذ التدابير اللازمة لتحسين الاوضاع السائدة ومع توفر الاحتياطيات الهائلة التي تملكها هذه الدول من العملات الاجنبية، فان دول مجلس التعاون في وضع افضل من الدول الاخرى المصدرة للنفط لاتباع مسار مستمر من النمو لاقتصاداتها.
(القبس 12 نوفمبر 2011)

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*