هدر الطاقة في الكويت خطر داهم

إعداد د. أحمد بشارة
في ملخص رائع لأوضاع الطاقة في المملكة العربية السعودية (أكبر منتج للنفط في العالم)، يستعرض آدم رسمي (محرر مقيم في بيروت لمجلة صدى الالكترونية الصادرة عن دار كارنيغي في واشطن) دراسة لمعهد شاثم هاوس Chatham House في لندن عام 2011. ويخلص الكاتب الى أن الادمان على استهلاك النفط في السعودية قد يتسبّب في متاعب كبيرة للمملكة، خاصة أنه مقرون بنمو غير كافٍ في العرض من النفط. ويمكن أن يجعل المملكة مستوردا صافيا للنفط بحلول عام 2038. وهو استنتاج مذهل للوهلة الأولى نظراً للمعروف عنها كمستودع النفط العالمي في أوقات الشدة.
وكما ورد في التقرير المذكور، فان السعودية هي خامس أكبر مستهلك للنفط في العالم، وبلغ الاستهلاك أكثر من ربع الكمية المنتجة في عام 2011، وقدرها 11.1 مليون برميل في اليوم (أي حوالي 2.8 مليون برميل في اليوم)، حتى انها تجاوزت في الآونة الأخيرة مستوى الاستهلاك في ألمانيا، مع العلم بأن عدد سكان السعودية اقل من ثلث عدد سكان ألمانيا، كما أن الناتج المحلي الاجمالي للاقتصاد السعودي أقل بخمس مرات من الناتج المحلي الاجمالي الألماني.
يستنتج التقرير أنه اذا تواصلت الزيادة في الاستهلاك السعودي على هذا المنوال – ومن دون أي ضوابط أو ترشيد أو بدائل معقولة – فقد يسدّد ذلك ضربة قوية الى الاقتصاد السعودي في السنوات المقبلة.
واذا ما استبدلنا اسم المملكة العربية السعودية بدولة الكويت، فسنصل الى المؤشرات والاستنتاجات والعواقب ذاتها، مع تغيير لبعض الأرقام السالفة الذكر. وهو أمر ليس بغريب أو مستبعد. ويجب أن يدق نواقيس الخطر بشأن سياسات الطاقة في دولة الكويت، التي تمتلك سادس مخزون مؤكد للنفط في العالم.
والنمو السكاني هو أحد أهم الأسباب التي تقف خلف هذا الاستهلاك المتزايد للنفط في المملكة، أضف الى ذلك التوسع الحضري (من مساكن ومدن جديدة وما تتطلبه من بنية تحتية) إضافة إلى التوسع في النشاط الصناعي. فقد تضاعف عدد السكّان في المملكة منذ عام 1985، الأمر الذي أدّى إلى ازدياد الطلب على المنتجات النفطية والطاقة بشكل عام.
بيد أن السبب الأساسي يتمثّل في الرخاء الاقتصادي المتنامي الذي تشهده المملكة والمرتبط باعتمادها على توليد الطاقة بواسطة النفط. فكل حاجات المملكة من الطاقة تقريباً تتم تلبيتها بواسطة النفط والغاز، ويتم اللجوء أكثر فأكثر إلى حرق النفط الخام لتجاوز النقص في الغاز. وبما أن النفط على وجه التحديد يشكّل نحو %90 من صادرات البلاد وموازنة الدولة، فليس مستغرباً أن المسؤولين السعوديين يأملون في كبح الاستهلاك الداخلي الذي يقتطع مزيداً من الكميات المعدّة أصلاً للتصدير.
كما أنه سيكون للاستهلاك المتزايد تأثيرات أخرى تذهب إلى أبعد من الاقتصاد المُعتَمِد على الطاقة. فرغم أن نصف الاقتصاد السعودي تقريباً يقوم على قطاعَي النفط والغاز، فلا تتجاوز نسبة القوة العاملة فيهما %1. فمن أجل فرص زيادة التوظيف، تحوّلت المملكة نحو التعيين في الأجهزة الحكومية حتى بلغت نسبة الموظفين في القطاع العام أكثر من %80 من القوة العاملة. وهي لا تختلف في ذلك عن بقية دول مجلس التعاون الخليجي.
وعلى غرار بلدان الخليج الأخرى، عمدت السعودية – في مواجهة ما يعرف بالربيع العربي – إلى إقرار زيادات سخيّة في رواتب القطاع العام، بما يسلّط الضوء على اعتماد البلاد على الإيرادات النفطية لإبعاد خطر شبح التململ السياسي. إلا أن التناقص المتوقع لهذه الإيرادات النفطية في المستقبل (بحكم ازدياد الاستهلاك المحلي) قد يحدّ من قدرة السعودية على التعويل على القطاع العام ومنظومة الرعاية الاجتماعية للتصدّي للاضطرابات السياسية.

لابد من إصلاح نظام الدعم الحكومي
ويخلص التقرير إلى عدد من التوصيات، أبرزها أنه ينبغي على السعودية أن تخفّض استهلاكها النفطي كي يستمرّ هذا القطاع في توليد عائدات كبيرة للدولة. والخطوة الأولى في هذا الإطار تقتضي إصلاح نظام الدعم الحكومي للمحروقات. فسعر بيع برميل النفط ومنتجاته في داخل السعودية يتراوح من 5 إلى 15 دولاراً (وهو الأقل بين دول مجلس التعاون)، في حين يصل المعدّل في السوق العالمي إلى أكثر من 110 دولارات منذ عام 2011. وهو الأمر الذي يُضيِّع عليها فرصة تحقيق إيرادات مهمّة، كما أنه يشجّع ثقافة الإفراط في الاستهلاك والهدر، إضافة إلى تهريب المحروقات إلى الدول المجاورة.
أما الخطوة الثانية فيجب أن تقوم على تنويع مصادر الطاقة في المملكة. وتعمل السعودية على تطوير أشكال بديلة للطاقة، مثل الطاقة النووية والطاقة الشمسية. فالعمل جارٍ حالياً على بناء 16 محطة للطاقة النووية يُتوقَّع أن تلبّي %16 من حاجات المملكة من التيار الكهربائي بحلول عام 2032 (بتكلفة رأسمالية قد تصل إلى 100 مليار دولار بحسب التقديرات)، لكن مشاريع الطاقة النووية محدودة وباهظة الكلفة، ولن تكتمل إلا في مطلع 2032 أي قبل ست سنوات فقط من التاريخ المتوقَّع نظرياً (أي عام 2038) لتحوُّل المملكة إلى دولة مستوردة للنفط.
وتبذل المملكة حتى الآن جهوداً أقل على مستوى تطوير الطاقة الشمسية، ويُتوقَّع أن تطلق المملكة قريباً مشاريعها الأولى لإنتاج 500 إلى 800 ميغاواط من التيار الكهربائي بواسطة الطاقة الشمسية، أي أكثر بقليل من %1 من الكمية التي تستهلكها حالياً. وعلى الرغم من وجود خطط لتوليد 54.000 ميغاواط من الكهرباء بواسطة الطاقة الشمسية بحلول عام 2032 وبكلفة 109 مليارات دولار، إلا أن نجاح هذه المشاريع ليس مضموناً، وتحيطه تحديات تقنية لا يستهان بها.

الطاقة الشمسية مكلفة.. وليست بديلاً
وقد يبدو مستغرباً أن الطاقة الشمسية ليست بديلاً عملياً لتوليد الطاقة في البيئة الصحراوية (كدول الخليج)، وخاصة في أوضاع أسعار الطاقة السائدة. فالصحراء ليست مكاناً مثالياً لتوليد الطاقة الشمسية، نظراً إلى أن الحرارة الشديدة وكثرة الغبار يتسبّبان في انخفاض كفاءة الألواح الشمسية. والطاقة الشمسية الناجمة غير قابلة للتخزين، وتمر بذروة الإنتاج في النهار ثم تتلاشى تقريباً بغياب الشمس أو تلبد الجو بالغبار أو الغيوم مما يعني الاستعانة بطرق التخزين الباهظة التكاليف. كما أن سعر توليد الطاقة الشمسية وتشغيلها وصيانة معداتها – وفق التقنيات الحالية – مكلف نسبياً رغم أن أشعة الشمس مجانية. هذه الاعتبارات مجتمعة لا تجعل من الطاقة الشمسية بديلاً عملياً واقتصادياً لدول الخليج رغم بريقها.
في حال تعذّر احتواء الاستهلاك الداخلي في السعودية، ينبغي على المملكة أن ترفع قدرتها الإنتاجية للحفاظ على مكانتها كدولة مصدِّرة للنفط. وتملك السعودية الجزء الأكبر من القدرات الاحتياطية النفطية في العالم، فهي تضخ حالياً 9.3 ملايين برميل في اليوم (عام 2011)، مع العلم بأن قدرتها الإنتاجية تصل إلى 12 مليون برميل في اليوم. إلا أن قواعد منظمة الأوبك تحد من زيادة الإنتاج – مثلها في ذلك مثل جميع الدول الأعضاء. بيد أن عدداً كبيراً من المحللين يشكّك أصلاً في قدرة السعودية على زيادة إنتاجها بأكثر من 12 مليون برميل يومياً.
وهذه المعضلة تواجه جميع الدول الأعضاء في دول الأوبك. فسقف الإنتاج اليومي لكل دولة يحدده اتفاق المنظمة إضافة عوامل فنية وسياسية كثيرة، أهمها حجم المخزون النفطي للدولة. ويشمل سقف الإنتاج كل نقطة نفط تستخدم للاستهلاك المحلي.
وعلى الرغم من عدم توقّع حدوث نمو في هذه القدرة الإنتاجية للمملكة إلا أن استهلاك النفط الداخلي سيزيد ليصل إلى أكثر من أربعة ملايين برميل في اليوم بفضل الزيادة في الطلب الداخلي وسخاء الدعم الحالي من الحكومة.
إزاء عجز السعودية عن زيادة قدرتها الإنتاجية، تصبح الحاجة إلى خفض الاستهلاك الداخلي أكثر إلحاحاً. وإن تمكّنت المملكة من كبح الاستهلاك الداخلي، فستحافظ المبيعات النفطية على نسبة عالية من العوائد في المدى الطويل، إذ أن الدراسات تشير إلى أن الطلب على نفط الخليج سيتسارع متجاوزاً أي نمو يمكن أن يشهده العرض في المستقبل، من قبل الهند والصين وغيرها من الاقتصادات الصاعدة.
بيد أن الاضطرابات السياسية في المنطقة – مقرونةً بالتباطؤ الاقتصادي العالمي – قد تؤخّر خطط التنويع الناجح لمصادر الطاقة السعودية (مثل الطاقة الشمسية والنووية). وبما أن الاستهلاك الداخلي للنفط لا يظهر أي مؤشرات فعلية عن إمكانية انحساره، قد تواجه المملكة قريباً خطر خسارة دورها الذي تستمدّه من كونها المصدر الأساسي للنفط في العالم. ويصعب توقّع التداعيات التي يمكن أن تترتّب على أسواق الطاقة والأوضاع السياسية والاقتصادية في المنطقة، لكن المؤكّد هو أن هذا التطوّر سيُحدِث تبدّلاً جوهرياً في الدولة السعودية.

الحالة الكويتية.. نسخة من الحالة السعودية
هذا الاستعراض الواسع لوضع الطاقة في أكبر دولة مصدرة للنفط في العالم كان ضرورياً. فقد ذكرنا في صدر هذا المقال أن الحالة الكويتية لا تختلف كثيراً عن الحالة السعودية التي أتينا على ذكر تداعياتها بشيء من التفصيل. وكان الغرض هو بيان معضلة سياسات الطاقة في السعودية والكويت كنموذج لبقية دول الخليج النفطية، وإن بدرجات متفاوتة.
فبناءً على تحليل أجرته الجهات الرسمية في دولة الكويت أخيراً يتبين بأن الحد الأعلى للطلب المحلي على الكهرباء سيقترب من 25.000 ميغاوات عام 2025، وقد يصل إلى 30.000 ميغاوات عام 2030، مقارنة بطاقة مركبة حالياً مقدرة بحوالي 13.000 ميغاوات (2012)، وهو ما يعكس نمواً سنوياً قدره حوالي %4 – %5 ابتداءً من عام 2008.
ووفق بيانات مشروع ميزانية الدولة لعام 2014/2013 سيبلغ دعم الكهرباء والماء حوالي 2.700 مليون د.ك، بالإضافة إلى دعم إضافي يقدر بحوالي 640 مليون د.ك لدعم أسعار المنتجات المكررة (البنزين والديزل والغاز). أي أن مجموع الدعم المتصل باستهلاك الطاقة (لإنتاج الكهرباء والماء) سيصل في ميزانية 2014/2013 إلى حوالي 3،330 ملايين د.ك، أي حوالي %60 من حجم الدعم الإجمالي الوارد في تلك الموازنة (5.581 ملايين د.ك) أو %16 من إجمالي المصروفات المقدرة في تلك الميزانية والبالغة21.281 مليون د.ك.
ويشكل هذا الدعم للمحروقات ووقود المحطات حوالي %20 من الإيرادات النفطية والمقدرة بحوالي 16،883 مليون د.ك في ميزانية 2014/2013. أي من الجانب الفعلي يستهلك كل فرد في الكويت حوالي دينار واحد من كل خمسة دنانير من إيرادات النفط التي هي عصب حياة الدولة الكويتية وأهم مواردها الناضبة، وهو استهلاك للكهرباء والماء لا مبرر له : فقط للرفاهية والبذخ والإسراف.
وهذا الأمر قد يسدّد ضربة قوية إلى الاقتصاد الكويتي في السنوات المقبلة حين ما تتجاوز المصروفات بند الإيرادات أي أن تدخل الميزانية العامة في مرحلة العجز، والتي من المتوقع أن تصل إليها الميزانية العامة (وفق سيناريوهات حديثة) عام 2022/2021 في أسوأ تقدير، أو عام 2030/2029 في أحسن تقدير.
وتقدر وزارة الكهرباء والماء أن دعم وقود تشغيل المحطات فقط (دون المنتجات المكررة من بنزين وديزل وغاز) سيرتفع إلى 9.000 مليون د.ك بحلول عام 2030، أي بحوالي ثلاثة أضعاف الوضع الحالي.
فبحلول عام 2030 ستحرق الكويت 700 ألف برميل يوميا من النفط لمواجهة الطلب المتزايد على الكهرباء والماء والمحروقات، اي بمعدل زيادة سنوية تقدر بحوالي %6 – %7، وهي من الأعلى على مستوى العالم، وبخاصة أن الكويت ليست دولة صناعية أو حتى زراعية.
وتشير التقديرات الى أنه في عام 2017 سيبلغ الاستهلاك المحلي للنفط ومنتجاته حوالي %20 من الإنتاج النفطي (مقارنة بحوالي 350 ألف برميل يوميا عام 2012 أي حوالي %12 من الإنتاج في ذلك العام). فكل برميل يحرق لمواجهة الطلب المتزايد على الكهرباء والماء والمحروقات هو في واقع الأمر ضياع فرصة تصديره وتحصيل عوائده إلى الخزينة العامة.
وعلى افتراض سعر بيع يقدر بحوالي 100 دولار للبرميل، فحرق 350 ألف برميل يوميا (عام 2012) يعني فقدان دخل سنوي قدره 12.8 مليار دولار أو 3.8 مليارات د.ك.

استهلاك المياه في الكويت الأعلى في العالم
ويبلغ استهلاك الفرد من المياه حوالي 770 لتراً، وهو الأعلى على مستوى العالم، وبخاصة أن الكويت ليست دولة صناعية أو زراعية. وهذا الإسراف في استهلاك المياه العذبة يزداد بمقدار 2-3% سنوياً. علماً بأن الدولة تتحمل %93 من التكلفة الحالية لإنتاج الكهرباء والماء، أما المستهلك فيتحمل فقط %7. فكلفة إنتاج الكهرباء على سبيل المثال حوالي 34 فلساً للكيلو واط، بينما يباع للمستهلك بحوالي 2 فلس الكيلو واط فقط. وتقدر وزارة الكهرباء والماء متوسط كلفة البنية التحتية للمنزل الواحد (من بناء محطات وتشغيلها ونقلها وصيانتها) واللازمة لتوفير الكهرباء بحوالي 100,000 د.ك بينما يتحمل المستهلك منها فقط حوالي 10.000 د.ك.
ويعود هذا النهج في استنزاف الطاقة – بالإضافة إلى أسعارها المتدنية – إلى الزيادة السكانية (3 % سنوياً) وإلى التوسع الحضري (من مساكن ومدن جديدة وما تتطلبه من بنية تحتية) إضافة إلى التوسع في النشاط الصناعي.
ويعتبر التكييف في الأوقات الحارة أهم مجال لاستهلاك الطاقة (حوالي 50 ــ %70 من الاستهلاك الفردي). فأي جهد أو سياسة في هذا المجال سينجم عنه تقليل الاستهلاك بشكل ملحوظ. وأبرز هذه الاعتبارت هو مراقبة تقنيات التكييف المستوردة للسوق المحلي، ونشر الوعي عن الأفضل بينها، وتحديث شروط البناء والواجهات والشبابيك ونحوها. والمثال الصارخ في هذا المجال هو تغيير نوع المصابيح المتاحة للمستهلك، مما خفض الاستهلاك لأغراض الإنارة بشكل ملحوظ.

الكويت ثالث أكبر دولة.. بالانبعاثات
ويصاحب هذا الإسراف في استهلاك الكهرباء والماء ارتفاع في معدلات انبعاث ثاني أكسيد الكربون – وهو أهم مكونات غازات الدفيئة المسؤولة عن الاحتباس الحراري على مستوى العالم. وتعد الكويت (وفق البيانات الدولية) ثالث أكبر دولة في العالم من حيث معدل أطنان ثاني أكسيد الكربون المنبعثة للفرد الواحد في السنة. فحصة الفرد من هذه الانبعاثات تقدر بحوالي 40 طناً في السنة (2010)، مقارنة بحوالي 12 طناً في السنة للفرد في دول المجموعة الأوروبية ذات النشاط الصناعي الكبير. وسيرتفع هذا المعدل في عام 2020 إلى نحو 55 طناً في السنة للفرد الواحد. وهو يعد ثالث أعلى معدل عالمي في هذا المجال، الأمر الذي ستترتب عليه فرض ضريبة الكربون على الكويت (وفق اتفاقية كيوتو وملحقاتها) نتيجة لهذه المعدلات العالية.

سياسات الطاقة في دولة الكويت: من المسؤول؟
ويلاحظ المختص أن مسؤولية سياسة الطاقة مشتتة بين أكثر من طرف حكومي، فلا والي لها متخصص ومتفرغ بين الأجهزة الحكومية ليضع السياسات ويقومها ويرشدها. فوزارة الكهرباء والماء هي المسؤولة عن التخطيط للمحطات والتشييد (من قبل الشركات العالمية) والإنتاج والتوزيع والصيانة والتحصيل. وهي تعمل جاهدة على توفير الطاقة للمستهلك. بينما وزارة النفط هي المسؤولة عن سياسة إنتاج النفط والغاز والمنتجات النفطية. وتقوم مؤسسة البترول الكويتية (وشركاتها المختلفة) بالإنتاج والتكرير وتوزيع المحروقات على محطات وزارة الكهرباء والماء ومحطات الوقود. في المقابل تتولى الهيئة العامة للإسكان بتصميم وبناء المناطق والمدن السكنية وتقدير احتياجاتها من الكهرباء والماء. وبلدية الكويت مسؤولة عن وضع مواصفات البناء ومدونة الطاقة في المباني. ووزارة المالية تمول المشاريع الخاصة بالطاقة دون سيطرة على المصاريف، اللهم إلا بزيادة الإنفاق أو تقليصه.
وهنا تكمن المشكلة: تعدد الأطراف والجهات المرتبطة بشكل أو بآخر بانتاج واستهلاك الطاقة في الكويت دون وجود طرف يرسم هذه السياسات ويقوم على مراقبتها. فمن المسؤول عن سياسة الطاقة في الكويت؟ فجميع هذه الأطراف المذكورة تعمل بشكل مستقل وفق مهامها، دون مسؤولية عن استنزاف الطاقة على المستوى الوطني كما بيناه. وليس من بينها جهة مسؤول عن سياسات الطاقة على المستوى الوطني، وتوجيه النشاط والسياسات الوطنية في هذا المجال. فعلى سبيل المثال : من المسؤول عن إصدار التشريعات والنظم والقواعد التي ستحد من الطلب المحلي المتزايد على الطاقة؟ ومن المسؤول عن مراقبة هذا الهدر؟ والعمل على ترشيده؟
والجهود الحالية والرامية إلى إيجاد بدائل للطاقة (سواء عبر مشروعات الطاقة الشمسية أو الرياح أو حتى الطاقة النووية) هي في واقع الأمر استسلام لنهج استهلاك الطاقة الحالي.
فليس من الحكمة أن نبدد الموارد في مشاريع جديدة إن لم يواكب ذلك سياسات في كبح جماح نمط الاستهلاك المفرط. فشرط نجاح هذه المشاريع والخطط هو الحد من الاستهلاك المفرط على مستوى الدولة، وتعديل تسعيرة الكهرباء والماء والوقود حتى يشعر الفرد بقيمتها الحقيقية.

6 خطوات إصلاحية للحد من الإسراف
1 – أولى هذه الخطوات هي إيكال مسؤولية سياسات الطاقة لمجلس فني ومتخصص ومستقل عن الحكومة (اسوة بالبنك المركزي في سياساته النقدية). وتوكل إلى هذا المجلس مهمة رسم السياسات الخاصة بالطاقة ومراقبة تنفيذها، وتوكل له مهمة توجيه الأجهزة الحكومية والأهلية المسؤولة عن إنتاج وتوزيع الطاقة وتسعيرها، ومراقبة الاستهلاك وقيادة حملات الترشيد.
2 – إعادة النظر في سياسات التسعيرة والدعم المعمول بها في مجال الطاقة والمياه. وتوعية وتأهيل السكان بهذا الشأن قبل تطبيق أي سياسة جديدة. ومهمة مراقبة اثر هذه السياسات ودراسة تداعياتها وأثرها على الشرائح الاجتماعية المختلفة.
3 – ضبط معايير التلوث البيئي (ثاني أكسيد الكربون) ومراقبة تطبيقها بشكل حازم.
4 – إعادة النظر في شروط البناء المعمول فيها بالدولة للحد من الهدر في استهلاك الطاقة والمياه.
5 – نشر ثقافة التوفير والحد من الهدر والإسراف سواء في الطاقة أو في المياه، وعلى جميع المستويات. والاستفادة من تجارب الدول الأخرى في هذا المجال. فهناك تجارب مبشرة في العديد من الدول التي تواجه أزمات مماثلة.
6 – التنسيق الكامل بين الجهات المشتغلة في مجال الطاقة (من الإنتاج إلى التوزيع إلى مدونات البناء). ولقد عددنا في مكان سابق من هذه المؤسسات والجهات ذات الصلة (مثل البلدية والهيئة العامة للإسكان ووزارات الكهرباء والماء والنفط ونحوها).

خلاصة
هذه بعض البيانات والأفكار الأولية بشأن الوضع الخطير الذي تواجهه الكويت في مجال استهلاك الطاقة، حالياً واسقاطاته المستقبلية. والكويت من أبرز الدولة المصدرة للنفط إلا أنها تواجه استنزافاً خطيراً لمواردها وعصب مكونها المالي وموردها الوحيد. ولقد توخينا دقة المعلومات، واثرنا بعض الأفكار ووصلنا إلى بعض الاستنتاجات والمقترحات بغية تحفيز المسؤولين والجهات المختصة لتجنب اليوم الذي لن ينفع معه الندم.. والله الموفق.

القبس 26 يونيو 2013
http://www.alqabas.com.kw/node/776692

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*