اليابان تسعى إلى ترشيد استهلاكها من الطاقة


منذ الزلزال وموجات المد تسونامي 11 مارس الماضي، أغلقت غالبية المفاعلات النووية في اليابان لأغراض الصيانة، ولا يزال 43 مفاعلاً معلقاً من إجمالي 54 مفاعلاً. ومنذ ذلك الحين هناك توجه ياباني نحو ترشيد استهلاك الطاقة ساهم فيه جميع اليابانيين ومؤسساتهم، وعلى رأسها شركة طوكيو للطاقة الكهربية (تيبكو).
لم تعد تيبكو تحظى بالشعبية ورضاء اليابانيين. فقد دمر أحد مفاعلاتها النووية في فوكوشيما في 11 مارس. وفي الساعات العصيبة بعد التسونامي لم تتمكن تيبكو من تزويد قلب المفاعل بالمياه لتبريده. ولم يكن بوسعها إعادة الكهرباء احتياطياً لأيام عدة وتأخرت في تنفيس ضغط متزايد أدى في نهاية المطاف إلى انفجارات هيدروجينية.
ومازاد الوضع سوءاً، أن تيبكو حجبت المعلومات عن الجميع، بمن فيهم رئيس الوزراء الياباني آنذاك ناوتوكان الذي داهم إدارة الشركة هائجاً ليصيح في أوجه مسؤولي الشركة سائلاً عما يحدث.
وبعد التسونامي ببضع ساعات بدأ انصهار بالمفاعل ولكنه لم يعلن عنه رسمياً إلا بعد وقوعه بتسعة أسابيع. ويعترف نيشيزاوا الرئيس التنفيذي لـ تيبكو بأن الشركة قد فقدت ثقة اليابانيين وبأن استعادتها الثقة سيستغرق وقتاً طويلاً.
ولما سئل عما إذا كان المفاعل دمر نتيجة الزلزال أم من موجات التسونامي التي تبعها، قال نيشيزاوا إن الأمر لم يتضح بعد وأنه ينبغي انتظار تقرير الحادث الذي سيصدر في شهر نوفمبر.
ويعتبر ذلك أمراً جوهرياً. فإن كانت المفاعلات النووية في اليابان المعرضة للزلازل غير مقاومة للزلازل فربما لا تكون الطاقة النووية آمنة. وقال مسؤول بإحدى منشآت التحكم في المفاعلات النووية بأن هناك قرائن تشير إلى أن الزلزال هو الذي دمر المفاعل.
ومنذ هذه الكارثة يبذل اليابانيون جهوداً هائلة لتقليل استهلاكهم للطاقة، حيث راحت الأسر بالمنازل تخفت الأنوار وتقلل فوانيس الإضاءة وتستغني عن تدفئة مقاعد الحمامات. وخفضت الشركات الكبرى اليابانية استهلاكها من الكهرباء بنسبة 15% تفادياً لدفع غرامات.
وبدأ كثير من الموظفين يوم العمل مبكراً أو انتقلوا للمناوبات المسائية. وأخذت صناعة السيارات أيام الخميس والجمعة عطلة وبدلتها بأيام السبت والأحد، نظراً لانخفاض الطلب على الكهرباء في هذين اليومين.
وفي منطقة شركة تيبكو حول طوكيو انخفضت ذروة الاستهلاك إلى 49 جيجاوات من 60 جيجاوات العام الماضي. وتوقع الجميع حدوث انقطاعات للكهرباء ولكن لم يحدث ذلك قط.
وفي 9 سبتمبر مع تضاؤل حرارة الصيف، أعلنت الحكومة اليابانية نهاية فترة الترشيد الشديد للطاقة. ومع ذلك لم تحل مشاكل الطاقة في اليابان. وإذا دام تجميد تشغيل المفاعلات النووية لفترة سنة فسيعمل ذلك على تقليص الناتج الاجمالي المحلي بنحو 3,6% ويقضي على قرابة 200 ألف وظيفة، في الوقت الذي يقول فيه ثلاثة أخماس الجمهور الياباني إنهم لا يثقون في الطاقة النووية.
وعلى الرغم من أن اليابان تحتاج إلى صناعة طاقة صامدة ومتنوعة فإن لديها عشر مؤسسات إقليمية احتكارية (تعتبر تيبكو إحداها) مستحوذة على 97% من سوق توليد الكهرباء ونقلها وتوزيعها. ويدفع السكان اليابانيون في استهلاك الكهرباء ما يقرب من ضعف ما يدفعه الأميركيون ونحو ثلاثة أمثال ما يدفعه الكوريون الجنوبيون. وبعد إن بدأت إجراء بعض الإصلاحات التشريعية منذ عشر سنوات لصالح كبار المستخدمين التجاريين انخفضت أسعار الكهرباء بنسبة 16% بين عام 1999 وعام 2005. غير أنه بسبب الافتقاد إلى الدعم السياسي لم تأت تلك الإصلاحات بالنتائج المرجوة.
يعود سبب ارتفاع أسعار الكهرباء في اليابان إلى أنه لا يوجد حافز لدى المؤسسات الاحتكارية لخفض التكلفة. بل على العكس ثبتت الحكومة اليابانية هوامش أرباحها وبالتالي إذا زادت المؤسسات أسعارها فإنها تزيد إيراداتها. وفي الوقت ذاته، تفرض مؤسسات المنافع العامة أسعاراً ثابتة على المستهلكين ولا تعطيهم حافزاً على إطفاء الأجهزة خلال ساعات الذروة.
ولا تحظى الطاقة البديلة في اليابان بالاهتمام المطلوب. وعلى الرغم من أن الشركات اليابانية تعد سبّاقة ورائدة في التقنيات الخضراء كطاقة الرياح والطاقة الشمسية والطاقة الجيوحرارية إلا أن هذه المصادر لا تشكل سوى 1% فقط من إجمالي الطاقة المتولدة.
وتتمتع تيبكو بنفوذ كبير، فهي تؤيد ساسة أحد الأحزاب، واتحادها يؤيد منافسيها، وهي تمول بحوثاً أكاديمية في مجال الطاقة، وأنفقت العام الماضي 26 مليار ين (339 مليون دولار) على الإعلانات والترويج ما يعد ثروة كبرى لشركة ليس لها منافسون حقيقيون. يطالب الإصلاحيون في اليابان بكسر احتكارات الطاقة بالدولة، إذ أن فصل توليد الكهرباء عن نقلها وتوزيعها وفتح الباب لمستثمرين جدد من شأنه تعزيز الكفاءة وتقليص التكاليف. غير أن جماعة الضغط (لوبي) التي تمثل كبريات الشركات تعارض التغيير بحجة أن تيبكو وزملاءها من الشركات تضمن تأمين طاقة كهربائية مستقراً. وهناك بعض الأعضاء في جماعة الضغط الذين يبيعون أجزاء وخدمات مؤسسات الكهرباء الاحتكارية وتحصل على حسومات كبيرة على ما تستخدمه من كهرباء.
يرى العديد من الساسة اليابانيين ضرورة الإبقاء على تيبكو بحيث يمكنها تعويض ضحايا كارثة فوكوشيما النووية. وصدر قانون في اليابان يحكم مسألة التعويضات في 3 أغسطس الماضي. يشكل هذا القانون آلية لتجميع صناديق من تيبكو وغيرها من شركات الكهرباء ولكنه لم يحدد طريقة مقاسمة التكاليف. وفي 12 سبتمبر أرسلت تيبكو استمارات إلى المتضررين لتعبئتها يصل عدد صفحات الاستمارة الواحدة إلى 60 صفحة، فيما اعتبره محللون نوعاً من العرقلة.
تريد حكومة اليابان الجديدة برئاسة يوشيهيكو نودا تقليل اعتماد اليابان على الطاقة النووية في الأجل المتوسط، ولكنها تأمل في الوقت ذاته في إعادة تشغيل المفاعلات الخاملة، فمن دون طاقة رخيصة موثوق بها ربما تقرر الشركات الانتقال إلى خارج اليابان.
وهناك شركات يابانية جديدة تطالب بالسماح لها بدخول نشاط الطاقة. مثلاً ماسايوشي سون أحد أقطاب الاتصالات اللاسلكية يعتزم بناء محطة طاقة شمسية ضخمة وشبكة نقل وتوزيع كهرباء جديدة تربط مناطق يابانية، غير أن الإجراءات التنظيمية تبدو في رأي ماسايوشي كالكابوس. فالقانون الجديد المختص بالطاقة الخضراء لا يعطي سوى القليل من الإرشادات عن الطريقة التي يمكن للمنتجين الجدد بيع الكهرباء للشبكة، أو عمّا إن كان لزاماً أن يشتريها المحتكرون. وقال ماسايوشي إنه حتى الزلزال على ما يبدو لا يستطيع أن يهز قبضة المحتكرين في مجال الكهرباء باليابان.
– الاتحاد 23 سبتمبر 2011

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*