ترشيد الطاقة .. اليوم قبل الغد!

عبد الوهاب الفايز
الاقتصادية 6 نوفمبر 2010

موافقة مجلس الوزراء الإثنين الماضي على إنشاء مركز وطني دائم لإدارة وترشيد الطاقة تحت مظلة مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية خطوة حكومية مهمة، ونرجو أن يباشر المركز أعماله المكثفة اليوم قبل الغد، وذلك لأننا تأخرنا في اتخاذ الخطوات العملية التي ترفع كفاءة استخدام الطاقة حتى وصل بنا الوضع لأن نستهلك يوميا ما يقارب ثلاثة ملايين ونصف برميل من النفط، وظللنا لسنوات نستهلك بشراهة حتى احتل استهلاك الفرد للطاقة لدينا قائمة الأعلى في العالم, أي أن استهلاكنا يفوق المعدلات في الدول المتقدمة.
هذه المعدلات العالية إذا استمرت فإن الإيراد من تصدير النفط سوف يتراجع، ويقابل هذا التراجع ارتفاع تكاليف إدارة وتشغيل البنية الأساسية، وارتفاع احتياجات التنمية المستدامة وارتفاع الرواتب والأجور، ومن يتأمل منحى تكاليفنا في الـ 20 عاما المقبلة سوف يدرك أننا إزاء (تحديات كبيرة)، وإذا لم نواجه تحديات تنمية الموارد المستدامة بجرأة وواقعية، فكل الذي نرجوه هو أن يكون الله ـ سبحانه وتعالى ـ حافظا ولطيفا ورحيما بنا ومعينا لأن نعيش تحت راية واحدة وفي مجتمع واحد مستقر يتدبر أموره بما تقتضيه مبادئ التعايش الحضاري والسلمي بين الناس.
على سبيل المثال، هناك تقديرات تجزم أننا سوف نحتاج إلى أكثر من 350 ألف مليون ريال لرفع قدرة التوليد للكهرباء في عشر سنوات، وهذه تقديرات فقط لتغطية النمو بالمعدلات الحالية، وربما نحتاج إلى طاقة توليد أكبر إذا أضفنا عشرات المدن الجامعية والمجمعات الصناعية وشبكات القطارات، ومشاريع القطاع الخاص العملاقة، وأيضا المجمعات الإسكانية الكبيرة التي تبنيها الهيئة العامة للإسكان، كل هذه المشاريع تعتمد على الاستخدام المكثف للطاقة، وحاجة الفرد سوف ترتفع عن المعدلات الحالية، لأن أغلب هذه المشاريع ربما لم تأخذ في الاعتبار أهمية ترشيد الطاقة.
وهذه المشاريع وما تحتاج إليه من الطاقة الكهربائية هي جزء من المشهد الكبير لاحتياجات الطاقة، فلدينا الاستهلاك الكبير في قطاع النقل، وفي القطاعين الزراعي والصناعي، وبما أننا مجتمع ينمو ويتطور فقد تبرز أوضاع واحتياجات جديدة في الأمن والدفاع، ولهذا علينا أن نستعد للمفاجآت والاحتمالات لارتفاع الطلب على الطاقة.
المركز الوطني الجديد المقترح من وزارة البترول، كما ذكر الأمير عبد العزيز بن سلمان مساعد وزير البترول، سوف يعمل على ترشيد الطاقة ورفع كفاءة استخدامها وإدخال آليات جديدة دائمة تستهدف بناء السلوك الإيجابي لاستهلاك الطاقة, وهناك جانب مهم أشار إليه يتعلق بإدخال ضوابط لمواد البناء والأجهزة الكهربائية والتكييف ونوعية سيارات النقل العام والخاص والسياسات الصناعية وتطوير المرافق العامة لتستهلك الطاقة بكفاءة.
تفعيل هذه الجوانب مهم جدا، أي تحويل الرغبات والأمنيات إلى آليات عمل تطبق، وحتى نكون أكثر واقعية يجب التأكيد على أن ترشيد الاستهلاك لا يأتي به (الوعي)، إنما يتحقق عبر تطبيق الأنظمة الفعالة، وإيجاد آليات الثواب والعقاب التي تساعد على تعديل السلوك.
ثمة حقيقة يجب أن تقال ويجب مواجهتها وهي ضرورة مراجعة تكلفة استهلاك الطاقة في جميع مشتقاتها، بحيث تؤدي هذه المراجعة إلى تطبيق ما تعمل به أغلب دول العالم الغنية والفقيرة، وهو (الدعم الذكي) للطاقة، أي تقديم المشتقات بالأسعار التي تحفظ الطاقة من الهدر وتضمن استمرارها وعدم انقطاعها وجودتها.
إذا أخذنا بهذه المسارات، أي وضع الضوابط والآليات وتطوير المواصفات، مع مراجعة الأسعار فإننا نوجد بيئة الثواب والعقاب التي سوف تعمل على تعديل السلوك السلبي الذي نمارسه تجاه مواردنا الحيوية، وعلينا أن نواجه هذا الوضع بالحكمة والشجاعة الأدبية التي ترقى إلى مواجهة التحديات, فنحن في عالم تلاحقه الأزمات, والمؤشرات تقول إن (العولمة) بالآليات التي طبقت بها قد تجر الاقتصاد العالمي إلى أزمة عميقة وقلاقل وتراجع في معدلات التجارة الدولية والنمو الاقتصادي، وهنا قد تنهار أسعار البترول، فماذا نعمل حينئذٍ وإيراد النفط مصدر دخلنا الوحيد؟
ليت قومي يعقلون..!

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*