استخدام استراتيجي لا «عاطفي» للنفط

الاقتصادية 4 نوفمبر

ليس بالضرورة أن نذهب بعيداً باتجاه الشرق أو الغرب، لكي نتعلم ”ثقافة ترشيد الاستهلاك”، في كل شيء، بما في ذلك النفط. فقد قال لنا رسول الإنسانية محمد ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ قبل أكثر من 14 قرناً من الزمن: ”لا تسرف ولو كنت على نهرٍ جارٍ”. وهذا يعني ببساطة، أنه من حق حاضرك ومستقبلك عليك، ألا تستهلك دون حساب، وألا تعتبر أن الاحتياطيات التي تتمتع بها ـــ أياً كانت ـــ لن تنتهي ولن تشح ولن تضمحل، وستتواصل إلى ما لا نهاية. وإن كنا نتحدث عن الطاقة، خصوصاً تلك ”الآتية” من النفط، فإن الغرب حل مشكلة الترشيد في هذا المجال، بفرض مزيد من الضرائب والرسوم، على هذه المادة الحيوية والحياتية. احتجت بعض الشرائح هناك ـــ ولا تزال ـــ لكنها فهمت في النهاية، أنه لا طريق آخر يمكن أن يحفظ الطاقة للأجيال القادمة. وهذه الأجيال في الواقع، هي أبناء المستهلكين الحاليين، أي أن الترشيد المطلوب يمكن أن يُعتبر بمنزلة ”أمن استراتيجي”، لمستقبل ليس واضح المعالم بما يكفي لـ ”الانفلات” الاستهلاكي. وحتى لو كانت الأمور واضحة، فإن ”الانفلات” في حد ذاته، ليس سوى قنبلة موقوتة لأزمة.. وفي بعض الأحيان لكارثة.
”بروفة” البرنامج الوطني (المؤقت) لإدارة وترشيد الطاقة في مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية، استكملت أدواتها، من حيث التجربة والاختبار والملاحظة.. وحتى التمرين، وانتقلت إلى مرحلتها التالية بتحويل البرنامج إلى مركز وطني دائم، بمسمى شامل هو ”المركز السعودي لكفاءة الطاقة”. وهذا يعني أن المركز الجديد تحول من صيغته المحلية إلى الوطنية، وهو أمر مطلوب الآن أكثر من أي وقت مضى، خصوصاً بعد أن أثبت ”السلوك الاستهلاكي”، وجود ثغرات عديدة، لا تُحاكي المستقبل، بل تلاقي الحاضر فقط. ففي قضية حيوية ومحورية كهذه، ينبغي أن يكون المستقبل حاضراً، ويجب حساب ما هو موجود، ليس فقط لمَن هو موجود، بل لمَن سيأتي بعد حين. إنها قضية ترتبط بالنمو والبناء، وليست مرتبطة بالاستهلاك والمعيشة الآنية. ولعل الأهمية التي يكتسبها ”المركز السعودي لكفاءة الطاقة”، تنحصر بصورة أساسية، في توفير البرامج ووضع القوانين والسياسات الخاصة بكفاءة الطاقة. وهذه المهام ـــــ وحدها ـــــ تؤسس للثقافة المطلوبة على صعيد استهلاك الطاقة بشكل عام.
فليس منطقياً، أن يستحوذ الاستهلاك المحلي للنفط على 34 في المائة من حجم الإنتاج النفطي المحلي في البلاد! وهذا يعني أن مستوى الاستهلاك المرتفع، يوثر بصورة سلبية في حجم تصدير النفط، الذي يمثل في النهاية المورد الرئيس للمملكة. كما أنه ليس منطقياً، أن تُباع هذه السلعة محلياً بسعر التكلفة. فهذا وحده يمثل خسائر كبيرة، ليس مالية فحسب، بل أيضاً، خسائر مرتبطة بالاحتياطي الاستراتيجي النفطي في المملكة. وتكفي الإشارة هنا، إلى أن الكثير من المنتجات النفطية تباع محلياً بأقل من أسعارها السوقية الحقيقية، الأمر الذي يُكبّد الخزانة العامة خسائر تزيد على 30 مليار ريال سنوياً! ولذلك كان لا بد من وقفة ليست عابرة، وخطوات ليست ضعيفة، لكي يكون للخزانة العامة في المملكة حساب، يضمن استمراراً سلساً للنمو، الذي يعتمد بصورة رئيسة على النفط، ويضمن أيضاً للأجيال القادمة حصتها المُستحقة. ولا شيء يمكن أن يضمن ذلك، سوى الاستخدام الاستراتيجي ـــ لا ”العاطفي” ــــ الأمثل للطاقة في مختلف القطاعات، لأن ذلك سيعكس حتماً، التكلفة الحقيقية للموارد النفطية واستمرارها، ويعطي هذه السلعة قيمتها التي ستنعكس بصورة إيجابية بالتأكيد، على كل الأجيال الحالية والقادمة.
إنها خطوة ضرورية ـــ بل واجبة ـــ لبناء مستقبل بعيدا عن الاضطراب والاهتزاز، في عالم امتلأ اضطراباً وفوضى وعدم يقين.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*