الاستهلاك المحلي للبنزين

د. سامي عبدالعزيز النعيم
الجزيرة السعودية 21-10-2010

الحقيقة التي يصعب على البعض قبولها تتمثل في استمرار ظاهرة زيادة الاستهلاك المحلي للبنزين في المملكة العربية السعودية حيث تشير بعض التقارير إلى ارتفاع مبيعات البنزين في السوق السعودي لعام 2009م إلى أكثر من 6% مقارنة بعام 2008م مما يزيد الفجوة الموجودة بين معدل الطاقة الإنتاجية لمصافي المملكة العربية السعودية السبعة من البنزين ومعدل الاستهلاك المحلي. تتمثل أسباب هذه الظاهرة فيما يلي:
1- النمو الاقتصادي للمملكة العربية السعودية وتحسن الدخل للفرد السعودي نتيجة لهذا النمو المستمر.
2- ازدياد التعداد السكاني للمملكة بسبب ارتفاع معدلات التكاثر السكاني للمملكة العربية السعودية والذي يقدر ب3-5% سنوياً, والذي يُعتبر من أعلى معدلات التكاثر في العالم حيث من المتوقع تضاعف عدد سكان المملكة كل 20-25 سنة.
3- التوسع العمراني المطرد أفقياً في جميع مدن المملكة عامة والمدن الرئيسية مثل مكة المكرمة والمدينة المنورة والرياض وجدة والدمام خاصةً بحيث تضاعفت المساحة العمرانية لهذه المدن الرئيسية بعدة مراحل في العقود الأخيرة, مما أدى إلى تباعد المسافات والأماكن والحاجة الماسة للتنقل بين هذه المناطق عن طريق السيارات المستهلكة للبنزين.
4- ازدياد الاستهلاك المحلي للبنزين خاصة في مواسم الحج والعمرة بسبب ازدياد عدد الحجاج والمعتمرين نتيجة لتحسن الدخل والاقتصاد.
5- سوء الاستخدام من قبل البعض لهذه السلعة الرخيصة بسبب انخفاض سعرها مقارنة بسائر دول العالم, وكذلك بسبب عدم توفر بدائل ووسائل مواصلات ونقل عام ذات مستوى عالٍ من الجودة كمترو الأنفاق والقطارات والحافلات المريحة.
هذه الأسباب مجتمعة أدت إلى ارتفاع معدل استهلاك الفرد السنوي في المملكة العربية السعودية من البنزين الذي يقدر بأكثر من 1000 لتر-السنة (اعتمادا على تعداد المملكة الذي يقدر ب 25 مليون), والذي بكل المقاييس يُعتبر من أكبر معدلات الاستهلاك السنوي للبنزين للفرد في العالم.
للحد من هذه الظاهرة الغير مقبولة لدى الكثير يجب مواجهة هذه الظاهرة بتطوير إستراتيجية وطنية متكاملة ذات ثلاثة محاور:
المحور الأول يتمثل في زيادة الاستثمارات المحلية وتشجيع الاستثمارات الخارجية لبناء مصافٍ جديدة كالتي تم الاتفاق على بنائها في الجبيل وينبع والتي من المتوقع لها سد هذه الفجوة وهذا النقص المحلي في البنزين على المدى المتوسط. المعروف أن هذا المحور يُعتبر من أهم أولويات مجلس البترول الأعلى برئاسة خادم الحرمين الشريفين جلالة الملك عبدالله -حفظه الله. التحدي الذي يواجه هذا المحور يتمثل في سعر بيع البنزين في السوق السعودي الذي قد يجعل هذه المشاريع ذات غير جدوى اقتصادية. هذا التحدي يجعل خيار استيراد البنزين أفضل من تعديل مصافي المملكة أو بناء مصافٍ جديدة لإنتاج كميات بنزين أكثر على حساب المشتقات الأخرى ذات السعر الأعلى من البنزين والتي عادة تُصدر وتباع حسب أسعارها في الأسواق الدولية والتي تفوق أسعارها المحلية.
المحور الثاني يتمثل في تطوير وزرع مبدأ ثقافة ترشيد الطاقة عامة وترشيد استهلاك البنزين خاصة في الخطط الخمسية لجميع الوزارات والدوائر الحكومية والشركات الكبرى خاصة قطاع الصناعة وقطاع المواصلات والنقل العام من قطارات وغيرها في المدن الرئيسية مثل مكة المكرمة والمدينة المنورة والرياض وجدة والدمام. كذلك زرع هذه الثقافة (ترشيد الطاقة) في خطط التوسع والتطوير العمراني للمدن لكي يكون عمودياً أكثر منه أفقياً. فلنتصور للحظة أن هذا التوسع العمراني الذي حدث في العقد الأخير في تلك المدن الرئيسية حدث عموديا بدلاً من التوسع الأفقي الذي حدث على أرض الواقع, ولنتصور أيضاً وجود قطارات سريعة ومريحة على مستوى عالٍ من الجودة بين مدن المملكة ووجود قطارات أنفاق وحافلات نقل عام مريحة وعالية الجودة في هذه المدن الرئيسية خاصة مكة المكرمة والمدينة المنورة أثناء مواسم الحج والعمرة ومدن الرياض وجدة والدمام. فكم كمية البنزين الذي يمكن توفيرها؟ ولعل مشروع قطارات المشاعر التي سوف يبدأ العمل بها هذه السنة يكون أول خطوة لتحقيق هذا المحور الإستراتيجي بعيد المدى.
المحور الثالث يتمثل في تفعيل خطة وطنية متكاملة لنشر ثقافة الترشيد في استهلاك البنزين في المجتمع السعودي بما فيها حملات إعلامية وتعليمية لنشر هذه الثقافة. أهمية هذا المحور يتمثل في وجوب نجاح المحور الثاني أولاً لأنه من المستحيل أن تقنع أحداً باستخدام وسائل النقل العام بدون وجود وسائل نقل عام مريحة ذات جودة عالية. بمعنى آخر, لا نطالب أحداً بالترشيد في استهلاك البنزين مع عدم وجود بدائل أفضل من السيارة. فلتكن هدف هذه الإستراتيجية الوطنية المتكاملة جعل وسائل النقل العام خيار أفضل للجميع من السيارة. يجب كذلك ربط هذا المحور بمبدأ الحفاظ على البيئة من خلال التقليل من الملوثات الناتجة عن عملية احتراق البنزين التي تمثل أحد عوامل زيادة إنبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون المسؤول عن ظاهرة الاحتباس الحراري.
الحقيقة أنه لا يمكن قبول هذا الازدياد في الاستهلاك المحلي للبنزين الذي يقدر بـ 6% سنويا الذي يوجب إما مضاعفة الطاقة الإنتاجية لمصافي المملكة من البنزين كل 20 سنة أو استمرار ظاهرة استيراد البنزين غير المقبولة في دولة تمتلك أكبر احتياطي بترولي في العالم. فكلا الحلين أمرّ من الآخر وسوف يمثل تحديا كبيرا لصناعة الطاقة السعودية على المدى البعيد ما لم يتم تطوير وتفعيل إستراتيجية ترشيد الاستهلاك.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*