تحسين الكفاءة في استخدام الطاقة: الآفاق والتحديات

د. نعمت أبو الصوف
الاقتصادية 14 ابريل 2010

الاهتمام العالمي بموضوع تحسين الكفاءة في استخدام الطاقة بدأ يتزايد، حيث احتل هذا الموضوع في الآونة الأخيرة مكان الصدارة على جداول أعمال السياسيين ورجال الأعمال في المحافل السياسية والاقتصادية العالمية. حيث إن كلا من الحكومات والقائمين على قطاع الصناعة أخذوا يناقشون موضوع تحسين الكفاءة في استخدام الطاقة باعتباره مصدرا مهما وحيويا من مصادر الطاقة في السعي لتلبية متطلبات العالم المتزايدة من الطاقة، وفي الوقت نفسه يطرح هذا الموضوع أيضا حلولا فيما يخص تغير المناخ والقلق بشأن أمن إمدادات الطاقة ودعم النمو الاقتصادي العالمي. موضوع كفاءة استخدام الطاقة كان واحدا من المواضيع الرئيسة التي طرحت في مؤتمر كوبنهاجن لتغير المناخ، بل كان من ضمن أحد المواضيع القليلة التي حظيت بتأييد واسع النطاق من جميع الأطراف. من ضمن خيارات الطاقة في هذا المجال؛ تحسين الكفاءة يمكن أن يوفر كمية أكبر من الطاقة على المديين القريب والمتوسط، وفي الوقت نفسه يسهم في الحد من أنبعاثات الغازات الدفيئة، كما يحقق هذا الموضوع الأهداف الرئيسة لكل من البلدان المتقدمة والبلدان النامية في مجال الطاقة، سواء كانوا مستوردين أو مصدرين للطاقة.
النمو الاقتصادي السريع المتوقع في البلدان النامية على المدى البعيد، يعطي دافعا إضافيا قويا لموضوع كفاءة استخدام الطاقة. حيث من المتوقع حدوث نمو كبير في استهلاك الطاقة العالمي. إن الدول الناشئة والبلدان الصناعية التقليدية على حد سواء تدرك تماما أن زيادة التركيز على كفاءة استخدام الطاقة هو شرط أساسي ومهم لاستيعاب الحجم الكبير المتوقع من النمو الاقتصادي والنمو في استهلاك الطاقة.
إن موضوع كفاءة استخدام الطاقة أمر أساسي وحيوي لاستراتيجيات الطاقة في العالم، مع ذلك فإنه في كثير من الأحيان يساء فهمه أو لا يعطى القدر الوافي من الاهتمام الذي يستحقه. هذه الرؤية للطاقة تسعى لتوفير إطار منظور لتسخير هذا المصدر من مصادر الطاقة المستقبلية لخدمة البشرية. إن فرص تحقيق تحسين الكفاءة في استخدام الطاقة متوافرة في جميع القطاعات المستهلكة للطاقة، الصناعية، البناء، المنزلية, والنقل. إن مصطلح ”كفاءة الطاقة” هو زيادة كفاءة استخدام الطاقة عن مستوى الوضع الراهن. إن كفاءة استخدام الطاقة تعني الحصول على الفائدة نفسها مع استخدام كميات أقل من الطاقة، أي الحد من الطاقة المستخدمة التي تتطلبها العملية من دون تغيير في الطاقة المنتجة، سواء من حيث النوعية أو الكمية. وقد تقدم بالفعل فائدة مضافة، الكفاءة تعني أن المستهلكين يستخدمون كميات أقل من الطاقة من دون التضحية بأنماط حياتهم العادية أو الطبيعية, بل إنه في بعض الأحيان يحسنها. لكن تشجيع موضوع الكفاءة يتطلب مناقشة عميقة بين واضعي السياسات وكبار رجال الأعمال والصناعة وتفهم أوسع من قبل المستهلك.
الشركات والأفراد يميلون عادة إلى الاستثمار في المشاريع والمنتجات ذات المردود المباشر، الحكومات تميل عادة لدعم البرامج التي تولد فرص عمل وتطور تقنيات يمكن الاستفادة منها محليا أو يمكن تصديرها. في حين كفاءة الطاقة لا تلبي بالضرورة هذه المعايير، على الأقل ليس بصورة مباشرة. كفاءة استخدام الطاقة هي عملية أو طريقة تفكير أو نهج يمكن أن يؤدي إلى تقنيات جديدة، توفير فرص عمل جديدة، إيرادات إضافية, بل أيضا أسواق جديدة للتصدير. لكن هذه ليست محفزات فورية ومباشرة للشركات أو حتى الحكومات، وهذا قد يمثل تحديا لفهم أكبر لإمكانات الكفاءة في استخدام الطاقة.
السؤال إذن كيف يمكن تحويل موضوع ”كفاءة استخدام الطاقة” من سمة غير ملموسة إلى عامل واضح ومركزي لصناع القرار في مختلف حلقات قطاع الطاقة؟ هناك أربعة عوامل رئيسة تؤثر في قرارات الاستثمار في مجال الكفاءة: سلوك المستهلك، المنافسة على توافر رأس المال، أسعار الطاقة وتقلب الأسعار، والابتكار والتطور التكنولوجي.
موضوع تحسين الكفاءة في استخدام الطاقة كان عنوانا لدراسة حديثة أجراها أحد مراكز البحث الاستشارية الرصينة في مجال أبحاث الطاقة. الدراسة بعنوان ”رؤية الطاقة في 2010: نحو عالم أكثر كفاءة في استخدام الطاقة” ترى أنه على الرغم من دور الكفاءة الحاسم في رسم استراتيجيات الطاقة في العالم، إلا أن كفاءة الطاقة غالبا ما يساء فهمها، لذلك هي في حاجة إلى شكل جديد من الطرح كي تتماشى مع واقع إمكاناتها. حيث إن موضوع الكفاءة كثيرا ما يرتبط بشكل غير صحيح مع التضحية بنمط حياة المستهلك. لكن في هذا المجال تشير الدراسة إلى أن الكفاءة في استخدام الطاقة في الواقع تمثل الحصول على مزيد من الأشياء التي يريدها المستهلك مع استخدام كميات أقل من الطاقة، وذلك من خلال تحسين الإنتاجية في استخدام الطاقة. في هذا الجانب تشير الدراسة إلى الفجوة في الكفاءة بين خيارات الكفاءة الأفضل والمتاحة بتكلفة اقتصادية, وتلك التي يجري تنفيذها في الواقع، سد الفجوة بينهما يتطلب فهما لعملية اتخاذ القرارات من قبل المستهلكين وأصحاب القرار بشأن استخدام للطاقة أكثر كفاءة. كما أن سلوك المستهلك يعتبر أيضا أساسيا وحاسما لفهم الفجوة بين خيارات الكفاءة المتاحة. حيث إن المستهلكين لا يحصلون دائما على المعلومات التي يحتاجون إليها لاتخاذ قرارات مستنيرة بشأن فرص الاستثمار في المعدات والسلع الأكثر كفاءة، كما أن لجمود المستهلك وتفضيله الوضع القائم بخصوص التقنيات المتعارف عليها والمألوفة لديه، يمكن أيضا أن تؤثر سلبا في خيارات المستهلكين بخصوص السلع ذات الكفاءة العالية في استخدام الطاقة، حسب الدراسة.
الابتكار والتقدم التقني سيستمر أيضا بلعب دور رئيس وحاسم في تحسين كفاءة استخدام الطاقة. في هذا الجانب تتطرق الدراسة إلى الثورة المستمرة في تكنولوجيا الإضاءة، كمثال واضح على هذا التقدم هو الانتقال من المصابيح المتوهجة إلى المصابيح الفلورنسية إلى مصابيح الصمامات الثنائية المصدر. على الرغم من أن التقدم الخارق المفاجئ في التكنولوجيا Breakthrough حاز أكبر قدر من الاهتمام، إلا أن التحسين المستمر للتكنولوجيات القائمة يلعب أيضا دورا كبيرا في تحسين الكفاءة، كما تقول الدراسة. ذلك أن استمرار التحسين التدريجي للكفاءة يمكن في النهاية وبعد فترة من الزمن أن يصل إلى تحسينات كبيرة على المنتج. على سبيل المثال الثلاجة المتوسطة الحجم في اليوم الولايات المتحدة تستخدم اليوم ربع الطاقة فقط التي كانت تستهلكها في عام 1975، على الرغم من كونها أكبر في الحجم حاليا في حدود 20 في المائة.
إذا ما أريد لمشاريع تحسين كفاءة الطاقة أن تجذب الاستثمارات المطلوبة، يجب أن تكون تلك المشاريع مجدية اقتصاديا للمستثمر، أي أن التوفير في الطاقة يجب أن يغطي تكلفة المشروع ويوفر عائدا مناسبا على الاستثمار. كما أن توافر رأس المال يلعب عاملا رئيسا في ذلك. لكن في بعض الأحيان حتى لو كان الاستثمار في مشاريع تحسين الكفاءة من المتوقع أن يحقق نسبة عوائد عالية، من الممكن ألا تكون للمستهلك القدرة على تحمل التكلفة العالية، ما يشكل تحديا لهذه المشاريع. وتحمل مخاطر عدم النجاح هو تحد آخر في مثل هذه المشاريع. كما أن التباين في أسعار الطاقة وعدم القدرة على التنبؤ بشأن الأسعار في المستقبل يضيف عدم اليقين إلى عوائد الاستثمارات في كفاءة الطاقة.
وتخلص الدراسة إلى أن معرفة طبيعة وتحديات الاستثمار في مشاريع كفاءة الطاقة، وسلوك المستهلك والابتكار التكنولوجي تتيح جميعها للشركات وصناع القرار فرصة لإنشاء بنية تحتية مميزة لهذا الغرض، حيث لا غنى عنها في تحقيق أهداف تحسين كفاءة استخدام الطاقة. وخلصت الدراسة أيضا إلى دعم وتوجيه الجهود نحو عالم على قدر أكبر من الكفاءة في مجال الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات الجديدة التي لم تكن متاحة حتى قبل عقد من الزمن، حيث إن هذا القطاع سيساعد في توفير الأساس القوي والرصين لزيادة الكفاءة في المستقبل وتطوير بنية تحتية مميزة في تحسين كفاءة استخدام الطاقة.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*