سياسات تحسين كفاءة استخدام الطاقة

د. نعمت أبو الصوف

إمكانية ترشيد استهلاك الطاقة أمر مهم لا شك فيه، حيث إن الاستخدام الأمثل والأكثر كفاءة لموارد الطاقة من بين أهم السياسات التي يمكن أن تتخذ لمواجهة تحديات أمن الطاقة والتغير المناخي. في هذا السياق، السياسات العامة واللوائح تعتبر ذات أهمية حاسمة، حيث إن المطلوب توفير حوافز في الأسعار وفرص استثمارية، جنبا إلى جنب مع قواعد ونظم مناسبة وشفافة لوضع سياسات عامة ناجحة. السياسات العامة ضرورية أيضا للتعجيل باعتماد معايير الكفاءة المتقدمة في الأجهزة المنزلية والمعدات الصناعية، وتشجيع برامج تمويل مبتكرة لتحسين كفاءة استخدام الطاقة.
قبل عام 1973، لم تكن سياسات تحسين كفاءة استخدام الطاقة معتمدة في معظم دول العالم، حيث كانت أسعار النفط والغاز والفحم منخفضة نسبيا ومستقرة. لكن أسعار النفط التي سادت بعد ذلك التاريخ دفعت العديد من الدول إلى تبني سياسات معينة, وفي بعض الأحيان صارمة لترشيد أو تحسين كفاءة استخدام الطاقة، وذلك للدور الحيوي للطاقة في الاقتصاد العالمي. الدفع لترشيد الطاقة أدى إلى اعتماد سلسلة من السياسات الجديدة، القوانين والإجراءات الإجبارية لتحسين كفاءة المركبات، المباني والأجهزة، خصوصا في الولايات المتحدة، أوروبا واليابان.
من دراسة القطاعات المختلفة المستهلكة للطاقة يتضح الدور الحيوي والمهم الذي يمكن أن تقوم به سياسات الحكومات في تشجيع الاستخدام الأكثر كفاءة للطاقة. إن تحقيق الكفاءة في استخدام الطاقة بأي ثمن يجب ألا يكون الهدف من هذه السياسات, لكن هذه السياسات يجب أن تكون لديها القدرة على معالجة بعض أوجه القصور والعجز الاقتصادي والمعلوماتية، تهدف السياسات أيضا إلى إنشاء البنية التحتية اللازمة لتعزيز كفاءة استخدام الطاقة.
أسعار الطاقة تعتبر إحدى الطرق الفاعلة بالنسبة للحكومات لتشجيع الكفاءة في استخدام الطاقة في مختلف القطاعات, حيث إن للحكومات القدرة على إضافة كلف وضرائب إضافية على أسعار الطاقة، والقيام بذلك يعتبر تشجيعا قويا للكفاءة على استخدام الطاقة. لكن احتساب هذه الكلف الإضافية والضرائب يمكن أن يشكل تحديا كبيرا للحكومات، ذلك أن زيادة أسعار الطاقة لا يحظى بالقبول سياسيا وقد يؤدي إلى مشكلات داخلية. في المقابل، دعم أسعار الطاقة يقلل من الحافز لتحسين الكفاءة. في حين إزالة الدعم، وإعانات الطاقة غير المستهدفة لشريحة معينة من المجتمع، وفي الوقت نفسه التركيز على ذوي الدخل المنخفض ومساعدتهم على الاستثمار في كفاءة استخدام الطاقة يمكن أن يجني منافع للاقتصاد بأكمله. كما أن هناك طريقة أخرى لتشجيع الكفاءة من خلال الإعفاءات الضريبية أو الحوافز الضريبية الأخرى للمعدات والأجهزة الأكثر كفاءة.
يمكن للحكومات أن تشجع الحلول التقنية لجعل الكفاءة أرخص أو في متناول اليد، من خلال الإنفاق على البحث وتطوير تقنيات جديدة أو بمساعدة المستهلكين مباشرة لشراء المنتجات العالية الكفاءة. الحكومات قادرة أيضا على استخدام أدوات التخطيط لتشجيع تطوير الكفاءة في استخدام الطاقة، هذه السياسة واضحة في قطاع النقل، حيث القرارات المتعلقة بالتخطيط الحضري واستخدام الأراضي يمكن أن يكون لها تأثير كبير في مجمل الكفاءة في قطاع النقل والمواصلات. من السياسات التي أصبحت أكثر شيوعا أيضا قيام الحكومات بفرض استخدام التقنيات الأكثر كفاءة وتوفير المعايير وأطر المقارنة والتصنيف.
إن أفضل سياسة معتمدة هي ليست بالضرورة تلك التي تعطي نتائج أكبر في زيادة الكفاءة. عند الأخذ في الاعتبار أحد الخيارات المتاحة لسياسة تحسين الكفاءة، يتعين على الحكومات مقارنة تكلفة البرنامج الجديد مع التحسن في الكفاءة غير المتحققة نتيجة الحفاظ على الوضع الراهن أو عدم تطبيق البرنامج. على سبيل المثال، تكلفة الإجراءات لإحداث الكثير من التحسينات الصغيرة في كفاءة المنازل قد تكون مرتفعة جدا. تكلفة درجة تحسن الكفاءة في كل موقع من المرجح أن تكون أكثر من تكلفة الطاقة التي سيتم توفيرها. في هذه الحالة، تعتبر معايير وترتيب (تصنيف) المنتجات من تدابير السياسة الجيدة، لأنها يمكن أن تحسن متوسط مستوى الكفاءة من دون أن تسفر عنها تكاليف عالية للمستهلكين. المعايير قد لا توفر الحل الأكثر كفاءة في استخدام الطاقة لهذه المشكلة، لكنها توفر على الأرجح أفضل توازن بين الكفاءة والكلفة.
الإرادة السياسية والالتزامات الحكومية تعتبر ضرورية للنهوض بمشاريع وبرامج تحسين كفاءة الطاقة. ينبغي للسياسات أن تكون طويلة الأجل في طبيعتها وتشجع الأسواق والأسعار المناسبة. الأطر القانونية والمؤسسية في حاجة إلى أن تكون داعمة. لا بد من توفر عمليات تنظيمية لتنفيذ القواعد والتعليمات والتصديق على البرامج، في هذا الجانب تعتبر عمليات الرصد والإلزام بالقوانين والتعليمات ضرورية. على السياسات التركيز على جانبي الطلب والعرض للطاقة على حد سواء، كما يجب اعتماد الإجراءات الإلزامية والطوعية في ذلك.
فيما يلي أمثلة على بعض سياسات الدول في مجال ترشيد الاستهلاك وتحسين كفاءة استخدام الطاقة:
الصين: لضمان التنفيذ الفاعل لسياسات ترشيد الاستهلاك وتحسين كفاءة الطاقة، قامت الحكومة الصينية بتأسيس مجموعة قيادية لترشيد الطاقة وخفض الانبعاث. كما قام معظم المقاطعات والبلديات والمحافظات وكذلك المؤسسات الكبيرة بإنشاء كيانات مماثلة داخل منظماتها. وضعت الحكومة المركزية أيضا أهداف لترشيد الطاقة وخفض الانبعاث لجميع الإقليم، ولأكبر ألف شركة مستهلكة للطاقة، وأصدرت أيضا خطة لرصد الإحصاءات وتقييم التنفيذ لكل منطقة ومؤسسة رئيسية. المقاطعات أنشأت نظما مماثلة لتقييم التقدم المحرز. لضمان التوصل إلى أهداف سياسات ترشيد الطاقة، فإن الحكومة بدأت برنامجا للاستغناء عن الطاقات الإنتاجية في الوحدات الصناعية غير الكفؤة، مع التركيز بصفة خاصة على محطات الطاقة الكهربائية ومصانع الحديد والصلب والألمنيوم والأسمنت.
كما أن الحكومة الصينية بدأت بإطلاق مشاريع رئيسية لترشيد الطاقة وتعزيز البنية الموفرة للطاقة (مثل المصابيح الكهربائية الموفرة للطاقة)، وبدأت برنامجا لتعيير كفاءة الطاقة لعدد من الصناعات الرئيسة كثيفة الاستخدام للطاقة، وحددت ثلاثة مجالات رئيسة للتركيز على تشجيع ترشيد الطاقة والكفاءة: القطاع الصناعي، قطاع البناء وقطاع النقل والمواصلات. إضافة إلى ذلك، أطلقت الحكومة الصينية برنامج يتضمن أعلى ألف مشروع في كفاءة استخدام الطاقة ووضعت برنامجا لتدقيق استخدام الطاقة للمؤسسات الرئيسة، الذي يشمل وضع خطط لترشيد الطاقة، وتقديم تقارير عن استهلاك الطاقة.
لتشجيع ترشيد الطاقة وتحسين كفاءتها، قامت الحكومة المركزية الصينية بزيادة الضريبة على الفحم والنفط والغاز الطبيعي, نفذت سياسات تشجع على استخدام التقنيات التي توفر الطاقة، وقامت بإصلاح النظام الضريبي والتسعير على المنتجات النفطية، ونفذت العديد من التدابير الاقتصادية التي تشجع على ترشيد الطاقة. وعلاوة على ذلك، إنشاء وتحسين القوانين واللوائح لترشيد الطاقة وفرت الدعم القانوني للحكومة الصينية للدفع نحو ترشيد للطاقة وتحسين للكفاءة أكبر.
اليابان: شجعت الحكومة اليابانية متطلبات ترشيد الطاقة من خلال أطر قانونية ومجموعة من السياسات. يهدف قانون الاستخدام الرشيد للطاقة (قانون ترشيد الطاقة) إلى تعزيز إدارة الطاقة وتحسين أداء ترشيد استهلاك الطاقة في المعدات والمباني. تقدم الحكومة الدعم على شكل ميزانيات وضرائب وبرامج وطنية من خلال وسائل مثل تقديم المساعدة لاستخدام المعدات الموفرة للطاقة. لعبت أيضا خطة العمل الطوعية الخاصة بالبيئة، التي يشارك فيها نحو 108 قطاعات من الصناعات المختلفة، دورا مهما في تعزيز حركة ترشيد الطاقة في اليابان.
قانون ترشيد الطاقة، الذي يعود تاريخه إلى نحو 30 عاما، يتطلب إدارة الطاقة في مجالات واسعة النطاق، بما في ذلك القطاعات الصناعية والسكنية والنقل والمواصلات. من المنظور العالمي، التشريعات التي تفرض لوائح لترشيد الطاقة في القطاع الصناعي هي نادرة جدا. ولأن ما يقرب من 90 في المائة من استهلاك الطاقة في القطاع الصناعي تخضع للتنظيم بموجب قانون ترشيد الطاقة، قام القطاع بجهود نشطة رامية إلى تشجيع ترشيد الطاقة. نتيجة لذلك ظل استهلاك الطاقة في هذا القطاع على حاله تقريبا منذ ما يقارب 30 عاما. في غضون ذلك، زاد استهلاك الطاقة في القطاعات التجارية الأخرى بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة. التعديلات التي حدثت على القانون عام 2007 هدفت إلى زيادة تعزيز تدابير ترشيد الطاقة من خلال توسيع نطاق شمولية التعليمات والنظم. وكان لبرنامج السعي الأعلى Top Runner، المستند إلى قانون ترشيد الطاقة، تأثير بعيد المدى في كل من الطاقة وفي تعزيز القدرة التنافسية بين الصناعات المختلفة، يهدف هذا البرنامج إلى زيادة معايير كفاءة وقود للسيارات ومعايير ترشيد الطاقة للأجهزة الكهربائية بصورة أكبر من المنتجات الأكثر كفاءة في استخدام الطاقة المتوافرة في الأسواق في السنة المالية المستهدفة.
بدعم من مثل هذه البرامج ومن الجهود الأخرى في هذا المجال، تم الإسراع في تطوير تقنيات مبتكرة لترشيد الطاقة، التي تسهم بشكل كبير في تعزيز ترشيد الطاقة وخلق نوع جديد من الطلب وفرص عمل. واحد من هذه الابتكارات الذي أصبح له تأثير عالمي، السيارات الهجينة Hybrid Vehicles. حيث تم تطوير السيارات الهجينة من قبل شركات صناعة السيارات اليابانية قبل الشركات المصنعة الأخرى التي أسهمت بشكل كبير في تحسين كفاءة الوقود.
الاقتصادية 25 اغسطس 2010

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*