الفرد السعودي الأكثر استهلاكا للوقود في العالم


دعا خبراء في اقتصادات الطاقة إلى إيجاد حلول سريعة تعالج زيادة استهلاك الوقود في المملكة.
وأكد الخبراء أن استمرار نسبة زيادة الاستهلاك على الوضع الحالي ستجعل أكبر مصدر للنفط في العالم مستهلكاً للجزء الأكبر من إنتاجه في غضون سنوات.
وأشاروا إلى أن استهلاك المملكة في عام 2030 سيصل إلى ثمانية ملايين برميل يوميا، ما يتسبب في مشاكل اقتصادية كبيرة، إضافة إلى المشاكل البيئية والتنموية والاجتماعية، ودعا الخبراء إلى إعداد دراسات وبحوث لمعالجة هذا الوضع وسن قوانين وتشريعات تقلل الاستهلاك، إضافة إلى تنظيم حملات توعوية لترشيد الاستهلاك.
وأكد الدكتور فالح السليمان المشرف على وادي الظهران للتقنية، أن الفرد السعودي هو الأعلى استهلاكا للوقود في العالم، وأن استمرار النمو في الاستهلاك بالشكل الحالي يشكل كارثة اقتصادية وتنموية.
وقال إن أهم عوامل ارتفاع الاستهلاك هو انخفاض أسعار الوقود بسبب الدعم الحكومي الكبير، مشيرا إلى أن أسعار الوقود في المملكة أقل من أسعار المياه المعلبة، ومؤكداً أهمية إعادة هيكلة أسعار الوقود ونشر التوعية بأهمية الترشيد.
وأضاف السليمان أن ذلك يحتم على الدولة إعادة هيكلة أسعار الوقود بشكل يخفف من الإسراف غير الضروري في استهلاك الوقود من جهة، مع الحرص على عدم إثقال كاهل محدودي الدخل من جهة أخرى.
وأوضح أن الأسعار الحالية مناسبة في حالات الاستخدام الضروري والمعقول لذوي الدخل المحدود من المواطنين، لكن الإسراف يحتم رفع الأسعار، مشيراً إلى الاستغلال الخاطئ لهذا الدعم من قبل غير المحتاجين وغير السعوديين.
ودعا السليمان إلى سن تشريعات ترشد استهلاك الوقود وتجعله في نطاق الضرورة، كما دعا إلى إيجاد قوانين ومحفزات للترشيد وسن تشريعات للحد من الإسراف، مثل وضع شرائح للاستهلاك بحيث ترتفع الأسعار مع ارتفاع الاستهلاك، مشيرا إلى نجاح تجربة تحديد شرائح الاستهلاك في استخدام الكهرباء.
وأكد السليمان أهمية تحفيز المواطنين لشراء السيارات ذات الاستهلاك المنخفض بدعم أسعارها، وتسهيل الحصول على قروض لشراء سيارات من هذه النوعية، إضافة إلى تشجيع استخدام آليات عالية الكفاءة في استهلاك الطاقة، مؤكداً أن استهلاك الوقود يجب أن يكون من العوامل المهمة التي تؤخذ في الحسبان عند شراء السيارات والمركبات.
وقال: إن موقع المملكة كأهم مصدر للطاقة في العالم يحتم عليها تطوير تقنيات جديدة لزيادة فعالية الطاقة وتقليل استهلاكها، وهذا التوجه يحظى بأهمية كبيرة، وتبذل فيه جهود كبيرة من قبل حكومة المملكة، ويجب أن تقوم الجامعات ومراكز البحث والتطوير بدورها في هذا المجال.
وشدد السليمان على أهمية تنويع مصادر الدخل لتجنب أي تغيرات سلبية في قيمة النفط، كما أكد أهمية تنويع مصادر الطاقة لتوفير النفط وبيعه أو استخدامه في صناعات تحويلية ذات قيمة مضافة، إضافة للمزايا البيئية التي توفرها مصادر الطاقة المتجددة، موضحا أن العصر الحجري لم ينته بانتهاء الحجارة، وعصر النفط لن ينتهي بالضرورة بانتهاء النفط، ولكن عند توفر البديل الأكثر فعالية، مؤكدا وجوب الاستعداد لأي متغير.
من جانبه قال الدكتور عبد الوهاب السعدون خبير اقتصاديات الطاقة: إن معدلات الاستهلاك للمشتقات النفطية في المملكة عالية جداً، مؤكدا أنه في حال استمرت نسبة الزيادة البالغة أكثر من 6 في المائة، فإن ذلك يعني أنه في عام 2030 سيصل استهلاك المملكة من النفط إلى ما يقارب ثمانية ملايين برميل يوميا، أي أن الجزء الأكبر وربما مجمل الإنتاج سيستهلك في السوق المحلية، ومن ثم سيقضي على فرص تحقيق عوائد مالية تعتمد عليها الدولة بصورة أساسية لتغطية الأنفاق الاستثماري والإنفاق الاستهلاكي.
وأضاف الدكتور السعدون أن هذه الإحصائيات تدق ناقوس الخطر؛ لكون موارد الدولة النفطية تشكل أكثر من 80 في المائة من عوائد المملكة، مشيرا إلى وجود توجهات جادة لترشيد الاستهلاك والاستثمار في مجال رفع فعالية الطاقة، مؤكدا أنه بالإمكان توفير الكثير من الطاقة عن طريق اتخاذ بعض التدابير مثل إلزام المباني باستخدام أنظمة العزل والتحفيز على استخدام مركبات اقتصادية في استهلاك الوقود.
وقال: من المبكر الحديث عن مصادر الطاقة المتجددة كخيار، مشيراً إلى أنه حتى في الدول الصناعية الكبرى لا تزال الطاقة المتجددة تشكل فقط نسبة بسيطة من حجم الاستهلاك في تلك الدول، ولكن يجب أخذها في الحسبان كخيار استراتيجي مستقبلي، وخصوصاً الطاقة الشمسية التي تعد خيارا واعدا أكثر من غيرها بعد كارثة اليابان وبروز مخاطر كبيرة للطاقة النووية.
وأشار إلى أن نسبة النمو السنوي في حجم الاستهلاك المحلي للمشتقات النفطية هي الأعلى عالميا، وهي تعادل نحو ستة أضعاف نسبة نمو الاستهلاك العالمي، وينعكس ذلك سلبا على معطيات الاقتصاد الكلي، ويخلق فجوة بين إنتاج المصافي من الوقود وقدرتها على تلبية الطلب المحلي.
وقال: إن تبني المملكة خيار الإصلاح الاقتصادي يستدعي مراجعة معدلات الاستهلاك من المنتجات النفطية وأسعارها حتى لا يصل الأمر إلى الإخلال بمداخيل الاقتصاد، مشيرا إلى أن العجز الحالي في البنزين سببه انخفاض أسعار البنزين، ما أدى إلى زيادة عدد الرحلات باستخدام السيارة، وفاقم المشكلة النمو الكبير في أعداد المركبات في المملكة نتيجة لمستوى دخل الفرد المرتفع، والتركيبة السكانية التي يشكل الشباب الجزء الأكبر منها، كما أن هذه النسبة العالية تعني عدد سيارات أكبر تجوب شوارع المدن وتحرق كميات أكبر من البنزين وتتسبب في ضغوط أكبر على شبكة الطرق، إضافة إلى ما تسببه من تلوث بيئي في مدن المملكة الرئيسة ذات الكثافة السكانية والمرورية العالية.
وأضاف أن انخفاض أسعار الوقود نتج عنه تنامي ظاهرة تهريب المشتقات النفطية إلى الدول المجاورة.
وأكد السعدون أهمية تحرير أسعار البنزين المحلية كي تتوافق مع التغيرات الحاصلة في أسواق النفط الخام؛ لأن النفط ثروة ناضبة، ومن المهم ترشيد استخدامه بما يطيل عمر الاحتياطي النفطي ويحقق أفضل العوائد الممكنة للدولة كي تستثمر في تمويل الخدمات والمشاريع المقدمة للمواطنين مجانا أو بأسعار مخفضة.
ودعا السعدون لوضع حوافز جمركية لتشجيع استيراد السيارات الصغيرة ذات الكفاءة العالية في استخدام البنزين على حساب السيارات الكبيرة ذات الاستهلاك العالي للوقود، الأمر الذي يسهم في خفض الاستهلاك المحلي للبنزين ويساعد في الوقت ذاته على خفض معدلات التلوث في مدننا.
وشدد السعدون على أهمية عدم انعكاس إعادة هيكلة الأسعار سلبا على القطاعات الاقتصادية، فالديزل مثلا الذي يستخدم لنقل المنتجات والخدمات إلى الأسواق داخل المملكة وخارجها يجب المحافظة على أسعاره التنافسية لهذا الاعتبار، إضافة إلى كونه أقل إضرارا بالبيئة مقارنة بالبنزين، كما دعا السعدون إلى مراعاة ذوي الدخل المحدود عند تحرير الأسعار وإيجاد صيغة تمكن من رفع أسعار الوقود دون إضافة تكاليف إضافية إلى ذوي الدخل المحدود تزيد من أعبائهم.
وأوضح السعدون أن توفير الوقود يتطلب تغيير مفاهيم المواطن ليدرك قيمة ما يحصل عليه، وليتولد عنده الحرص على استخدامه بصورة اقتصادية.
وأضاف أنه في المقابل فإن تحميل المواطنين جزءا من تكلفة الخدمات التي تقدم لهم، يعطيهم الحق في الحصول على خدمات ذات جودة عالية.

الاقتصادية 2 يوليو 2011

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*