وأخيرا .. ترشيد الطاقة

نتعاطى مع استهلاك الطاقة ببرود لفترة طويلة, وكأننا إن لم نستخدمها ستتبخر في الهواء، فلا نأبه لمواصفات فنية ولا نستشعر قلقا من فرط استهلاكنا, فالنفط والغاز والكهرباء رخيصة الأسعار ومتوافرة بكثافة وكأنها ستدوم إلى الأبد هكذا، أو كأنه لا يمكن التعامل معها بطريقة أخرى مختلفة أكثر منفعة. لهذا جاء إنشاء المركز الوطني لترشيد الطاقة فاصلة قد تكون جوهرية ــ إن أحسنا التعامل معها – في تغيير نمطية الاستهلاك غير المبرر الذي يعصف بجنبات عاداتنا الاستهلاكية المحمومة، إذ إنه من المأمول أن يعمل المركز الوطني على ترشيد استهلاك الطاقة ورفع كفاءة استخدامها من خلال أبحاث وتوصيات وبرامج وآليات ذات طبيعة فنية وتقنية محددة ترتبط بالهياكل والسلوكيات الاستهلاكية، بما في ذلك العمل على إخراج توصيات تتعلق بكود المباني ومواد البناء ومواصفات الأجهزة والإنارة والتكييف ونوعية سيارات النقل العام والخاص والسياسات الصناعية وتطوير المرافق العامة بهدف ترشيد استهلاك الطاقة.
إن رفع نسبة كفاءة تشغيل الأجهزة، مثلا، واشتراط تصميمات محددة في المباني، سيسهم في ترشيد استهلاك الطاقة، لكن هذا يتطلب تعاونا من جهات متعددة، وهي الوظيفة الأهم لهذا المركز الوليد، وربما تكون الوظيفة الأصعب، فلدينا جزر حكومية متجزأة، كل جزيرة تغني بمعزوفة مختلفة، وسيكون تشكيل المركز ومستوى تمثيل الجهات الحكومية محوراً أساسياً في نجاحه؛ فإن تكون مجلس إدارته أو هيئته العليا من ممثلين للجهات الأكثر أهمية، وعبر ممثلين مؤثرين وظيفيا فلنا أن نتفاءل، وإلا فالتشاؤم سيحدونا من كل صوب.
وعمل هذا المركز لن يكون مستحيلا, فهو لن يحتاج إلى إعادة اختراع العجلة فهناك عدة جهات دولية لديها خبرات متراكمة في هذا المجال وتسعى حثيثا إلى دعم برامج ترشيد الطاقة بشكل عالمي، خاصة لدى الدول المصدرة للطاقة، وفي هذا تحقيق لمصالح الدول المنتجة والدول المستهلكة. فكلما انخفض استهلاك الطاقة في دولة مصدرة للطاقة زاد تصديرها فوائضها, ما يعني تزويد السوق بكميات أوفر من منابع الطاقة. وهو اهتمام جميل ومكسب للطرفين. فترشيد استهلاكنا للطاقة يعني ببساطة أننا سنتمكن من تصدير المزيد من البترول، ما يعني المزيد من الموارد المالية، وتصدير المزيد من البترول يعني ببساطة ــ أيضا ــ أن هناك مزيدا من المعروض البترولي في الأسواق العالمية, ما يمنح طمأنينة إضافية لسوق البترول والمستوردين المستهلكين. مكسب لكلا الطرفين لا يفترض أن نمتنع عن اقتناصه.
يلح على تبني مثل هذه المبادرات الجميلة أننا قوم مسرفون, إذ يعتبر معدل استهلاك الفرد في المملكة في الوقت الحالي من أعلى معدلات استهلاك الأفراد للمنتجات النفطية على مستوى العالم. وتصنَّف المملكة في قائمة أعلى عشر دول عالمية في معدلات استهلاك الفرد للنفط، باستهلاك يفوق متوسط استهلاك الأفراد في عدد من الدول المتقدمة، بما في ذلك الولايات المتحدة واليابان وفرنسا. ومن المتوقع أن يزيد الطلب المحلي على الطاقة من نحو 3.4 مليون برميل من المكافئ النفطي يوميا في 2009 إلى 8.3 مليون برميل من المكافئ النفطي عام 2028، كما يقول خالد الفالح رئيس شركة أرامكو السعودية. وهو رقم ضخم يجب التنبه إلى ما يمكن أن يحدثه من نتائج وخيمة. إسرافنا في الاستهلاك سيؤول بنا حتما إلى أن نستهلك كل شيء ننتجه ولا يبقى شيء نصدره، وبعدها سنتحسر جميعا.
ختاما، غير مستغرب اهتمام وزارة البترول والثروة المعدنية، والاهتمام الخاص الدؤوب واللامنقطع للأمير عبد العزيز بن سلمان بن عبد العزيز، بإنشاء هذا المركز يأتي من حرقة وطنية على أغلى ثروة مادية نملكها يجب أن نسعى إلى المحافظة على إطالة عمرها بكل ما أوتينا من قوة من أجل تحقيق استمرار الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية وتنفيذ الخطط التنموية الطموحة للمملكة للسنوات المقبلة والاستفادة من هذه الثروة اليوم والمحافظة عليها للأجيال القادمة.
د.
تركي عبدالعزيز الثنيان
الاقتصادية نوفمبر 2010

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*