المركز الوطني لترشيد الطاقة

عثمان الخويطر
الاقتصادية 15 نوفمبر 2010

سُرَّ المجتمع السعودي بالقرار الحكيم الذي صدر أخيرا، ويتضمَّن إنشاء ”المركز الوطني لترشيد الطاقة”. فقد جاء القرار في الوقت المناسب بعد ما ظهرت في المملكة بوادر الإسراف في استهلاك الطاقة من الغاز والسوائل النفطية، يكاد يستولي على نسبة عالية من إنتاجنا النفطي ويحدُّ من الكمية المُعَّدة للتصدير. فقد بلغ ما يُستَهلك محليا يوميا ما يُقارب ثلاثة ملايين برميل مُكافئ من النفط الخام، وهي كمية تفوق المعدل العام لأي دولة في العالم بالنسبة إلى عدد السكان. ولو سمحنا باستمرار معدل زيادة الاستهلاك الحالي لأكثر من عقدين من الزمن لوجدنا أنفسنا دون فائض للتصدير، وسيتسبب ذلك في حدوث نكبة اقتصادية، لا قدر الله، علينا وعلى مستقبل أجيالنا. ومما يدعو إلى الدهشة والاستغراب أن هذا الاستهلاك الفاحش للطاقة النفطية في بلادنا لا يُسهم كثيرا في تطوير سبل حياتنا ونهضتنا الصناعية، بل تذهب نسبة كبيرة منه هباءً وتزيدنا كسلا وخمولا وضعفا في الإنتاجية. فالإسراف في استخدام التيار الكهربائي في بيوتنا وخارج البيوت لا حدود له، وكأننا نستمد الطاقة الكهربائية دون ثمن ومن مصدر لا ينضب. وفي غياب شبه كامل لوسائل النقل العام الملائم لبيئتنا وتقاليدنا بين وداخل المدن، سلَّمنا بضرورة امتلاك عددٍ هائلٍ من المركبات الصغيرة والكبيرة تكاد تزيد على عدد السكان المؤهلين لقيادة السيارات. ومما زاد الوضع سوءا أن كل فرد منا يُصرُّ على استخدام مركبته وحده، حتى ولو كانوا إخوة يعيشون تحت سقف واحد ويذهبون إلى المكان نفسه، حيث تُسيِّرُهم الرغبة الشديدة في تطبيق مبدأ الحرية المطلقة. ومما ضاعف من الميل إلى الإسراف في استهلاكنا للطاقة أثناء تنقلاتنا في مركباتنا التَدنِّي الفاحش في أسعار المحروقات إذا قورنت بمعدل الأسعار السائدة عالميا. ولا بُدَّ من إيجاد حلول مناسبة للحد من الإسراف تُطبَّق تدريجيا دون أن يشعر المواطن العادي بوطأتها. وهناك مَنْ يتحدث عن فرض إجراءات بسيطة وسَنّ قوانين تتعلق بالعزل الحراري في المباني الجديدة كخطوة نحو تخفيف الضغط على الشبكة الكهربائية. ولكن تأثير ذلك على الوضع العام سيكون قليلا أو ربما لا أثر له. فالعلة تكمن في الإنسان نفسه وهو الذي يجب أن يكون الهدف. ولا يمكن الخروج من وضع الإسراف إلا بوضع استراتيجية طويلة المدى، تأخذ في عين الاعتبار الوعي الاجتماعي وتغيير مستوى الأسعار لتتناسب مع القيمة الحقيقية للمشتقات النفطية. وهناك طرق كثيرة لتعويض منْ يستحقون الإعانة من المواطنين كبديل للمحروقات الرخيصة التي يستفيد منها الغني قبل الفقير، لعل أهمها وأقربها إلى قلوبهم تسهيل أمور الحصول على سكن مُيسَّر. وعندما نتحدث عن ضرورة الاقتصاد في استهلاك مصادر الطاقة النفطية الرخيصة، نسمع أحيانا ونقرأ تعليقات من بعض القراء يستغربون فيها أن يُطلب منهم ذلك ونحن نقول إننا نملك أكبر مخزون نفطي في العالم! وسبب هذا التساؤل هو عدم وجود ثقافة نفطية يُدركون من خلالها أن لكل مادة ناضبة نهاية ولا شيء يدوم إلا وجه الله جلَّ شأنه.
ونحن لا يقتصر إسرافنا على استهلاك الطاقة النفطية، بل نحن نُسرف أيضا في مأكلنا ومشربنا وفيما نلبس، وفي كل شيء له علاقة بحياتنا وبرفاهيتنا. وهو إسراف يطول تصرُّف الفرد الواحد والجماعة، وحتى ما يتعلق بالتسهيلات المذهلة من قِبل بعض المؤسسات الحكومية لاستقدام العمالة الأجنبية الرخيصة غير المدربة وغير المهنية بأعداد هائلة، وهي التي تستنزف ثروتنا النقدية وتُنهك مرافق البنية التحتية وتحرم شبابنا من فرص العمل. فالسماح باستقدام ملايين البشر الذين ليس لديهم أي نوع من المهارات المهنية، وذلك فقط من أجل أن يعمل موظف للبيع والشراء في مئات الألوف من الدكاكين والمحال التجارية الصغيرة، إنه أمر يدعو إلى الدهشة؛ لأن وجودهم ليس له فائدة للبلد وضرهم أكبر من نفعهم، بصرف النظر عن المكاسب المادية الطفيفة التي يكسبها المواطن المُستقدِم من وراء جلب هذه النوعية من العمالة. ولو استطعنا خلال العقود القليلة القادمة توقيف الاستقدام لأي عمالة مهنتها البيع والشراء وأبدلناهم بمواطنين لاستطعنا توفير الشيء الكثير لاقتصادنا ومجتمعنا.
ولكن الأهم في هذا الموضوع الذي نحن بصدده، وهو الترشيد في جميع أمور حياتنا، هو إنشاء جيل واع يُدرك ما للاقتصاد في استهلاك الطاقة وغير الطاقة من أهمية بالنسبة لنا ولأجيالنا. وهذه مهمة غاية في الصعوبة، أن تحاول تغيير طبائع البشر، ولكنه ليس أمرا مستحيلا إذا أعِدَّت له خطة علمية دقيقة، مع ضرورة المتابعة والتطوير. ومن الطرق الفاعلة، أن نُضيف إلى مناهجنا الدراسية من أول ابتدائي إلى نهاية الثانوية مادة خاصة عن مضار الإسراف على حياتنا الاقتصادية، ويُوضَّحُ لهم بطرق سهلة ومُبسَّطة من خلال هذا المنهج تأثير الإسراف على ثروتنا المحدودة ومُستقبل الحياة على هذه الأرض الصحراوية الجرداء. ونحن نفتقد في مناهجنا الدراسية حضور كثير من المواد التربوية التي يحتاج إليها الأبناء والبنات وهم في سن مبكرة من حياتهم، وعلى وجه الخصوص تلك التي تمس تصرفاتهم في وسط مجتمعاتهم كالتقيد بالنظم المختلفة واحترام الآخرين وعدم الإسراف في كل الأمور الدنيوية مهما بلغ بنا الثراء وكثرة ما نملك.
وهناك أمور أخرى فيما يتعلق باستهلاك الطاقة قائمة حاليا ومغفول عنها مع أنها تتوسع مع مرور الوقت وتستنفد سنويا كميات كبيرة من المشتقات النفطية، وهي مركبات نقل البضائع الكبيرة التي تجوب الطرق بين المدن ليل نهار. ولن نتحدث هنا عن كل المساوئ التي تجلبها هذه الفئة من وسائل النقل العام من وجود عمالة أجنبية بأعداد تبلغ مئات الألوف وتدمير للطرق العامة وقيمة شرائها بملايين الريالات بالعملة الصعبة وتهديدها المستمر لسلامة المسافرين على الطرق الرئيسة. فسنحصر الحديث عن استهلاكها ملايين البراميل من المواد النفطية التي تُحتسب قيمتها على أصحاب تلك الناقلات بمثل البلاش، ومعظمهم من الأثرياء وأصحاب الأموال الكبيرة. ومن المؤكد أن ما تستهلكه هذه المركبات يُضيف نسبة كبيرة إلى الاستهلاك العام من الوقود الذي تُعانيه بلادنا ونحاول إيجاد طرق مناسبة تُساعد على تقليل الاستهلاك المحلي. والحل الأنسب لظاهرة كثرة عدد الناقلات الكبيرة هو توفير وسائل نقل أخرى أقل استهلاكا للطاقة وتستطيع نقل أكبر قدر ممكن من البضائع والأحمال الثقيلة عبر الطرق الرئيسة. فالقطارات الحديدية وسيلة مُثلى لنقل الأحمال الثقيلة، وهي أكثر أمانا وأقل خطرا على مُستخدمي الطرق العامة، وستوفر عشرات الألوف من الوظائف التي من الممكن أن يشغلها الشباب السعودي. وتقوم سكة الحديد الموجودة الآن بنقل البضائع من الدمام إلى الرياض، والعكس، ولكن على نطاق محدود، وليس لها أي تأثير على التقليل من حركة مركبات النقل الكبيرة التي نود التخلص منها.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*