أزمة الطاقة تدفع دول المنطقة لتنفيذ برامج ترشيد الاستهلاك

محمود الحضري
الاتحاد 14 نوفمبر 2010

دعت دراسة اقتصادية حديثة حكومات ومؤسسات الطاقة في دول الخليج العربية الى تنفيذ برامج ترشيد استخدام الطاقة، لمواجهة النمو الكبير في الطلب على الطاقة بمختلف أنواعه، وشددت على أهمية اتباع سياسات وبرامج تحفيزية تعزز من ثقافة الترشيد لدى المستهلك، على أن تدار تلك البرامج من جانب الحكومات، أو من جانب الشركات المنتجة للطاقة.
وبينت الدراسة التي أعدتها مؤسستا “ايكوبيلتي” للاستشارات والإمارات للوقود الحيوي، أن دول مجلس التعاون الخليجي تمتلك في الوقت الحالي وحدات إمداد بالقدرة تولّد نحو 75 جيجاواط من الطاقة، وفي الوقت الذي يُتوقّع فيه أن يزداد الطلب على الطاقة بما يفوق 9% سنوياً خلال العقد القادم، تحتاج هذه الدول إلى إنتاج 40 إلى 50 جيجاواط إضافية بحلول العام 2016، لكي تواصل تلبية الطلب.
وقال كريم علي مدير التطوير الاستراتيجي والابتكاري في مؤسسة “ايكوبيلتي” للاستشارات ورئيس الإمارات للوقود الحيوي “تواجه دول مجلس التعاون الخليجي ما يمكن أن يُعتبر واحداً من أكبر التحديات في تاريخه، وهو الطلب المتزايد على الطاقة، وعلى أثر النمو السكاني والصناعي وارتفاع مستوى المعيشة، إذ بلغ الطلب على الطاقة في المنطقة حدوداً غير مسبوقة.
ولفتت الدراسة، التي حصلت “الاتحاد” على نسخة منها إلى أنه وعلى مدى السنوات القليلة الماضية، شهدت بعض الدول الخليجية نقصاً في الطاقة أدّى أحياناً إلى انقطاع في التيار الكهربائي، وما ذلك إلا مؤشر واضح على وجود خلل ما في توازن الطاقة، مبينة أن الواقع يؤكد أن الطلب الدوري يفوق موارد الطاقة المتوفّرة، لا سيما في أشهر الصيف عندما يبلغ معدل استهلاك دول مجلس التعاون الخليجي منها الذروة، نتيجة الزيادة في استخدام مكيّفات الهواء.
ويرى كريم في تحليله بالدراسة أنه من المرجح أن يستمر هذا النقص، فمعظم الخبراء يتفقون على أن إمدادات الطاقة الحالية قد لا تكون كافية لتلبية حجم الطلب في المستقبل ويتوقعون أن تشهد المنطقة مزيداً من الانقطاع في التيار الكهربائي على المديين القصير والمتوسط.
وقال “بالرغم من أن الاكتفاء الذاتي من الطاقة يمثل تحدياً في دول مجلس التعاون الخليجي، إلا أن المشكلة ليست حصراً على هذه المنطقة من العالم، فكثيرة هي البلدان التي تعاني من المشكلة ذاتها.
وعلى مر السنين، وضعت الحكومات في مختلف أنحاء العالم استراتيجيات متنوّعة للتصدي لتحديات الطاقة، ومعظمها تهدف إلى ترشيد الاستخدام من خلال اعتماد مفهومٍ يُعرف باسم “إدارة الطلب”، وحتى الآن، يتمّ اعتماد اتجاهين شائعين لتعزيز ترشيد الطاقة هما تعديل نظام التعرفة الكهربائية والالتزام بمعايير كفاءة الطاقة.
وأوضحت الدراسة بأنه وفي ضوء ذلك، لا تعتمد معايير ترشيد الطاقة على اتجاه الخيار الحرّ للمستهلك، بل على تحديد الحدّ الأدنى من معايير الترشيد لاستخدام المنتجات الكهربائية، بينما تحظّر في الوقت ذاته استيراد وبيع البدائل غير الفعالة.
وتشير الى أن المثال الأكثر شيوعاً على هذه الاستراتيجية هو مبادرة المملكة المتحدة في الآونة الأخيرة الداعية إلى حظر استخدام المصابيح الكهربائية التقليدية، وهي خطوة جريئة دفعت الولايات المتحدة الأميركية وكندا وروسيا والفلبين وبلدان أخرى كثيرة لأن تحذو حذوها وتطبّق هذا الحظر.
ويوضح كريم أن هناك استراتيجية أخرى ثبت أنها سريعة وفعالة في آن معاً، وهي تملك حظوظاً أكبر للنجاح، وتقضي بالتشجيع على ترشيد استخدام الطاقة من خلال طرح برامج تحفيزية للمستهلك، من خلال تصميم برامج تعمل أساساً لحثّ شريحة المستهلكين على تغيير نمط حياتهم على نحوٍ داعم لترشيد استهلاك الطاقة، وذلك عبر خفض الأعباء المالية المرتبطة بذلك.
ونوه الى أن برامج الترشيد تدار من قبل الحكومات المحلية أو الشركات المنتجة للطاقة، فتدعم السكان الذين يقومون بشراء أجهزة ذات كفاءة عالية في استهلاك الطاقة من خلال منحهم قسائم حسم أو تقديم تسهيلات لتسديد فواتيرهم.
ولفت الى أن تكلفة بناء وحدة قادرة على إنتاج 1 ميجاواط من الطاقة الكهربائية تبلغ ما يقارب 1,5 مليون دولار أميركي، وبالتالي فإن توفير 38,4 ميجاواط من شأنه أن يوفّر عبئاً مالياً يساوي نحو 57,6 مليون دولار في تكاليف التوسع بإنتاج الطاقة في المستقبل.
وبينت الدراسة بأنه لو اختارت الشركة المنتجة للطاقة استثمار 5% من هذا المبلغ “أي ما يعادل 2,9 مليون دولار” في برنامج تحفيزي للمستهلك قد يمكن أن يحوّل هذا التوفير المفترض إلى واقع، خاصة إذا تمّ توزيع هذا المبلغ بشكل نسبي، فإنه يؤدي إلى توفير دعم بقيمة 3.60 دولار لكل فرد، وهو ما يمكنه بدوره استخدام هذا المبلغ لشراء مصباح موفّر للطاقة بكلفة معادلة تقريباً لهذه القيمة.
وأوضح كريم أن كلّ فرد في حالة تطبيق هذا البرنامج سيحصل على مصباح موفّر للطاقة مجاناً، في حين أن المدينة ستشهد انخفاضاً هائلاً في مبلغ التمويل الذي كان سيخصص لإنشاء البنى التحتية، منوها الى أنه سيناريو مربح لجميع المعنيين، من مستهلكين وشركات إنتاج وحكومات، مضيفاً بأنه في حالة مضاعفة نتائج هذا البرنامج مرتين، أو خمسة أضعاف أو حتى عشرة أضعاف، يكمن الوصول بحجم توفير محتمل يتخطى نصف مليار دولار.
وبينت الدراسة بأنه وعلى أثر نجاح برنامج تحفيزي واحد بسيط مثل هذا، يمكن القيام بتصميم برامج أخرى لاحقة لتعزيز مجالات أخرى تتوافر فيها فرص ترشيد الطاقة، مثل الأجهزة الكهربائية المنزلية، وتسخين المياه بالطاقة الشمسية أو حتى استخدام السيارات الهجينة.
وينوه كريم علي الى ميزة أخرى لمثل هذه البرامج هي أنها تؤثر إيجاباً وبشكل فوري في مشكلة الخلل في الطاقة، على نقيض مشاريع بناء محطات جديدة لتوليد الكهرباء التي تتطلّب سنوات عدة.
وترى الدراسة أن دول مجلس التعاون الخليجي ستجني فائدة كبيرة في حال قررت تنفيذ برامج تحفيزية مماثلة في المستقبل القريب، منوهة الى أنه وعلى الرغم من مزايا هذا البرنامج المقنع، مازالت فكرة تحفيز المستهلك على ترشيد استهلاكه للطاقة غير معمول بها في جميع أنحاء المنطقة، في الوقت الذي تواصل فيه العمل والاستثمار على توسيع قدراتها على توليد الطاقة الكهربائية، كما من المستغرب أن يظل هذا الموقف بالرغم من التحديات الكبيرة التي تواجه دول المنطقة في استهلاك الطاقة.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*