الاستنزاف المحلي للطاقة … الأبعاد والمخاطر

د.سليمان بن عبدالله الرويشد
الرياض 7 نوفمبر 2010

الطلب المحلي على الطاقة أضحى يشكل تحدياً كبيراً للمملكة ، فهناك عمليات استنزاف وهدر ضخم لمصادر هذه الطاقة من قبل قطاعات متنوعة ، إنتاجية كانت أم خدمية ، من أشدها الاستهلاك المتنامي لقطاع الكهرباء بالدرجة الأولى ، يليه قطاع النقل ، ومن ثم استهلاك الأفراد لمشتقات النفط ، فاستناداً لأحدث البيانات زاد الاستهلاك المحلي من النفط بنهاية العام الماضي 2009م ليصل إلى معدل 6.4 % متجاوزاً 3.4 ملايين برميل يومياً ، وهو ما يعني اقتطاع نسبته 35 % من الكميات التي تنتجها المملكة من النفط وتصل إلى 8.3 ملايين برميل يومياً ، فالطلب على الطاقة الكهربائية المستهلك الأول للإنتاج المحلي من الغاز والنفط ينمو بمعدل أعلى من الاستهلاك للنفط الخام في الداخل ، حيث تصل نسبه ذلك النمو إلى 8 % سنوياً ، فقد بلغت الطاقة الانتاجية للشركة السعودية للكهرباء 50 ألف ميغاواط ، يجري توفير نسبة 45 % منها حالياً باستخدام الغاز الطبيعي، بينما يتم استخدام مشتقات النفط الأخرى للنسبة المتبقية من الكمية المنتجة ، ومن المتوقع أن يتضاعف الطلب على الطاقة الكهربائية إلى ثلاثة أمثاله في الوقت الحاضر ليصل إلى 121 ألف ميغاواط في غضون ما يزيد على عشرين عاماً ، وتبعاً لذلك سينمو الاستهلاك المحلي من الغاز والنفط إلى ثلاثة أمثاله أيضاً خلال الفترة الزمنية نفسها ، ما لم تتغير تركيبة مصادر المملكة من الطاقة لذا تصنف المملكة وفقاً لتلك الحقائق على أنها من أكثر عشر دول استهلاكاً للنفط في العالم تشاركها في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية والصين واليابان والهند وروسيا والمانيا والبرازيل وكندا وكوريا الجنوبية ، وفي مواجهة ذلك النمو في الاستهلاك المحلي الذي يتزامن معه زيادة في الطلب العالمي على النفط قامت شركة أرامكو بأضخم مشروع استثماري في تاريخها عام 2008 م بلغت تكلفته نحو أربعمائة مليار ريال ، شملت مشاريع كبيرة في مجال النفط والغاز وسوائل الغاز الطبيعي والتكرير ، مما اتاح للمملكة عبر هذه المشاريع من أن تزيد طاقتها القصوى الانتاجية إلى معدل 12.5 مليون برميل يومياً .
ما يتم التخوف منه في الوقت الحاضر هو تأثير استمرار نمو الاستهلاك المحلي من المنتجات المكررة للنفط بشكل مطرد على الدخل الرئيسي للمملكة الذي يعتمد على العائدات المالية من بيع هذه السلعة الإستراتيجية وهي النفط في الوقت الذي تباع فيه كثير من المنتجات النفطية محلياً بأقل من أسعارها الحقيقية مما يحمل الخزانة العامة للدولة تبعاً لذلك 30 مليار ريال سنوياً لغرض الدعم للمستهلك النهائي ، لذا تم اتخاذ القرار الاسبوع الماضي بتحويل البرنامج الوطني المؤقت لإدارة ترشيد استهلاك الطاقة في مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية إلى مركز وطني دائم لترشيد الطاقة على مستوى المملكة يسمى ( المركز السعودي لكفاءة الطاقة ) ، حيث ان موضوع الطاقة من الموضوعات الرئيسية على أكثر من صعيد ، بسبب العلاقة المترابطة والمتكاملة بينه وبين البيئة والتنمية الاجتماعية الاقتصادية في أي مجتمع ، والمركز كما نشر عنه سيعمل على وضع برامج وطنية لترشيد الطاقة ذات خصائص فنية وتقنية تغطي جميع القطاعات وتشمل كود البناء ومواد البناء ومواصفات الأجهزة والإنارة والتكييف ونوعية سيارات النقل العام والخاص وتطوير المرافق العامة من حيث ترشيد استهلاك الطاقة .
إن الاهتمام بقيام هذا المركز يأتي من منطلق أن الطاقة ثروة وطنية ينبغي المحافظة عليها واستغلالها بكفاءة من أجل استمرار الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية وتنفيذ الخطط التنموية ، من ثم فإن الآمال كبيرة على ما سيؤديه من دور مستقبلي في هذا الشأن ، مع أن الواقع يفيد بأن هذا الجهاز ليس وليد اليوم بل يمتد العمر بنشاطه لأكثر من ثمانية أعوام تحت مسمى برنامج وليس مركزا ، لذا ينبغي حتى يقف المركز على قدميه ، ألا تتوقف عجلة الاهتمام بتبعات قضية تنامي الطلب المحلي على الطاقة ، فمشروعات شبكة النقل بالقطارات بين المناطق ينبغي ألا تتعطل الجهود في تنفيذها ، وكذلك أنظمة النقل العام داخل المدن أيضاً ، في ذات الوقت لا بد للأجهزة الحكومية على الأقل أن تأخذ زمام المبادرة فتقود مسيرة إعادة تأهيل مبانيها لتتواءم مع معايير الأبنية الخضراء وتجعل من تلك المعايير الأسس التي تنطلق منها في إقامة منشآتها الجديدة ، لتكون مثالاً يحتذى به من قبل القطاع الخاص والأفراد في إعادة تأهيل وبناء منشآتهم ومساكنهم ، فأبعاد هذه القضية لا تتوقف عند التحدي الذي يواجهنا من استنزاف الطلب المحلي لموارد الطاقة ، وإنما تمتد إلى وقوع المملكة ضمن قائمة الدول العشر الأُول في العالم الأكثر في نصيب الفرد من انبعاثات غاز ثأني أكسيد الكربون ، وكذلك ضمن الدول العشر الأولى ذات المؤشر الأدني في الاستدامة البيئية .

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*